من ألفاظ الحياة الاجتماعية في نهج البلاغة ضرع الناقة وحلبها/ 1- أخلافِها:

أثر نهج البلاغة في اللغة والادب

من ألفاظ الحياة الاجتماعية في نهج البلاغة ضرع الناقة وحلبها/ 1- أخلافِها:

58 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 05-09-2026

بقلم: د. حسام عدنان الياسري.

الحمد لله الذي علا بحوله، ودنا بطوله، مانع كل غنيمة وفضل، وكاشف عظيمة وأزل، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الاطهار.

وبعد:
الخِلْف الضَّرْع من الدواب ([1]). كما يفهم من كلام الخليل. وقيل بل هو وَاحِد أَخْلاَف الضَّرْعِ من النَّاقة، وهو طرفه الذي يقبض عليه الحالب من ضَرعِها([2]). وقد وردت لفظة (أَخْلاَفها) بصيغة الجمع على (أَفْعَال) مرتين في نهج البلاغة([3])؛ للدلالة على حلم الضَرع، ولكنه ليس ضَرع الناقة، فقد جعل الإمام (عليه السلام) هذه الأَخلاف جزءاً من ضَرْعِ (الدُّنْيَا)، وضَرْع (الحَرْب)، فمن الأول قوله (عليه السلام) في سياق كلامه عن بني أميّة واستئثارهم بالدنيا التي صورها الإمام بهيئة الناقة التي ترضع أخلافها. يقول الإمام: ((فَمَا احْلَوْلَتْ الدُّنْيَا لَكُمْ فِي لَذَّتِهَا، وَلاَ تَمَكَّنْتُمْ مِنْ رَضَاعِ أَخْلاَفِهَا  إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا صَادَفْتُمُوهَا جَائِلاً خِطَامُهَا، قَلِقاً وَضِينُهَا...))([4]) يقول (عليه السلام): إنّ الأمويين ما تمكنوا من الدنيا، وما زهت لهم في لذتها، إلاّ بعدما وجدوها عاثرةً بخطامها، ومضطرباً مركبها. فهو (عليه السلام) يجعل الدنيا عند الأمويين بمنزلة الناقة التي يطؤون ركابها، ويرتضعون أخلافها، من أطراف حُلمات ثديها، إشارة إلى استئثارهم بممتلكات الأمّة وسيطرتهم على خيراتها، ومنعهم الناس من حقوقهم. فإن الفصيل إذا رضع أمه استأثر بها ونال درها. ولبيان هذا المعنى وظّف الإمام (عليه السلام) مفردة (أَخلافها) من مجالها الدلالي الذي تختص به، وهو حلمة ضَرْع الناقة إلى الدلالة على مواضع مكاسب الدنيا ولذاتها ([5]). التي يحتلبونها منها، كما يحتلب الدر من حلمات ضَرعِ الناقة. ومن نظير هذا الاستعمال - وتوظيف لفظة (أَخْلاَف) في غير مجالها - ما صنعه (عليه السلام) في سياق كلامه عن (الحَرب) جاعلاً منها كالناقة التي تدر الموت.إذ يقول: ((حَتَّى تَقُومَ الْحَرْبُ بِكُمْ عَلَى سَاق، بَادِياً نَوَاجِذُهَا([6])، ممْلُوءَةً أَخْلاَفُهَا، حُلْواً رَضَاعُهَا، عَلْقَماً عَاقِبَتُهَا...))([7]). والإمام يشبه الحرب عند بدئها، بالناقة التي بدت نواجذها من أقصى فمها كما عن بلوغها فيما تبدو نواجذ الإنسان عند ضحكه([8]). كأنه يومئ إلى ضحك هذهِ الدواب على هذا الصنف من الناس حتى تبدو نواجذها. ثم ينتقل (عليه السلام) إلى تشبيه الحَرْب بالناقة التي امتلأت حلمات ضرعها بالدر تهيئة لاستدرار حلبها. كأن (الحَرب) مهيأة لأن تدر القتل والهلاك من خلال إرضاع الناس سمومها المختلطة بالدّر، والذي يبدو لأول وهلة لبناً خالصاً حلواً ما يلبث أنْ تبدو عاقبته السيئة بالموت والدمار. فاستعمل الإمام لفظة (أَخْلافها) للحرب على سبيك مقاربتها الناقة في الاستعداد والتأهب عند حلبها، أو إرضاع فصيلها([9]). وكنى بحلاوة (الرّضاع) إلى ما يحسّه طلاب الحرب ودعاتها من حلأوة في إبراز مآثرهم، وقوة أفعالهم في الحروب. عند مناجزتهم لأقرانهم، كما يستحلى اللبن في أول رضاعه([10]).
أقول: فالمعنى أنّ دعاة الحرب كأنما يسقون الناس لبنها الذي يهرقه المتعطشون للدماء والارتواء منها. ويعين على هذا المعنى دلالة مفردة (أَخْلاَف) نفسها، فمن دلالاتها المعجمية (الإسقاء)،و(الإسْتِقَاء)([11]). طلب السقاية. فكأن هؤلاء الذين يحلو لهم رضاع الحرب، يستقون أوارها، ويطلبون إثارتها كالمستقى الذي يريد السقاية. فيجيبه الساقي بالماء أو اللبن. هذا المعنى صنعه أمير المؤمنين بضرب من التصوير الفني من خلال توظيف المفردات الدالة على الناقة وذكر أهم عضوٍ من أعضائها، وهو الضَّرْع، وأطراف حلماته التي تُمْسك عند الحلب ليتحكم بها الحالب، أو يلقمها الفصيل عند رضاعه، فضلاً عن ذلك (فالحَالِبُ) هو الذي يقوم باستدرار الحليب منها، والرَّاضع هو الذي يَنْهَلُ الدر ويستحلي به. والأول هو الداعي للحرب، والثاني هو الرّاغب الناهل من مآسِيهَا. و (الأَخْلاف) هي موضع نشوء الحرب وفتنها كما يبدو لي.)([12]).

الهوامش:
([1]) ينظر: العين (خلف): 4/265، والمحكم (خلف): 5/202.
([2]) ينظر: تهذيب اللغة (خلف): 7/169، وجمهرة اللغة (خلف): 1/616، ولسان العرب (خلف):9/92، وتاج العروس (خلف): 23/243.
([3]) ينظر: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 142.
([4]) نهج البلاغة: خ/150: 190.
([5]) ينظر: شرح نهج البلاغة (البحراني): 3/501.
([6]) النوّاجِذ أقصى الأخراس، وهي أربعة بعد الارحاء، وتسمى خِرْس الحُلَم. ينظر: لسان العرب (نجذ): 3/513.
([7]) نهج البلاغة: خ/138: 246.
([8]) ينظر: شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد): 9/33.
([9]) ينظر: شرح نهج البلاغة (البحراني): 3/586.
([10]) نفسه. 
([11]) ينظر: المحكم (خلف): 5/199.
(([12])) لمزيد من الاطلاع ينظر: ألفاظ الحياة الاجتماعية في نهج البلاغة: للدكتور حسام عدنان رحيم الياسري، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص 202-204.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.0961 Seconds