من ألفاظ الحياة الاجتماعية في نهج البلاغة ضرع الناقة وحلبها 3- يُفَوّقُونَّنِي

أثر نهج البلاغة في اللغة والادب

من ألفاظ الحياة الاجتماعية في نهج البلاغة ضرع الناقة وحلبها 3- يُفَوّقُونَّنِي

3 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 04-10-2026

بقلم: د. حسام عدنان الياسري.

الحمد لله الذي علا بحوله، ودنا بطوله، مانع كل غنيمة وفضل، وكاشف عظيمة وأزل، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الاطهار.

وبعد:
الفَوَاقُ تَرْجِيْع الشَّهْقَة الغالِبة، ويقال للذي يصيبه البهر إنه يفوق فوقاً([1]). وفواقُ الناقة رجوع اللبن في ضَرْعها بعد حلبها([2]). وأفاقت الناقة، واستفاقها أَهْلُها، إذا نَفَّسُوا حلبها حتى تجتمع درتها([3]). وفواق الناقة إفاقتها([4]). وذلك مخصوص بالرضاع، فإذا أرضعت البهيمة أَمها، ثم تركتها حتى تنزل شيئاً من اللبن، فهذه هي الإفاقة والفواق([5]). واستعمل الإمام مفردة (يُفَوِّقُوْنَّنِي) مرة واحدة في نهج البلاغة([6]). للدلالة على تفويق حق الإمام، ومنعه منه يقول في سياق حديثة عن ذلك: ((إِنَّ بَنِي أُمَيَّةَ لَيُفَوِّقُونَني تُرَاثَ([7]) مُحَمَّد تَفْوِيقاً...))([8]). يريد أن بني أمية يعطونني من المال قليلاً([9]). أو أنهم يعطونني من ميراثي الذي ورثته من النبي (صلى الله عليه وآله) النزر القليل، فعبر عن هذا المنع والقلة بلفظة (يُفَوِّقُوْنَّنِي)آخذاً إيّاها من (فَوَاق النّاقة)، وهي الحلبة الواحدة من لبنها([10]). والتفسير المتقدم هو تفسير الشريف الرضي لمفردة (يُفَوِّقُوْنَّنِي). وقد تبعه في ذلك أغلب شُّرَّاح النهج ويبدو أنّ هذه المفردة تحمل من الدلالة القلة ما منحها إيحاء في هذا السياق على ندرة ما يعطاه الإمام من حقه، كما يقل ما تعطيه الناقة من لبنٍ بعد حلبها، فما اجتمع فيها من ثائب اللبن بعد رضاع أو حلبٍ، فهو الفَواق([11])، وهو نزر قليل لا يكاد يفي بحقّه وحق أهل البيت الذي أخذ منهم، ولهذا استعار الإمام هذه الكلمة للإبانة عن قلة ما يعطى له من حق، في حين أنْ غيره يحظى بأكثر من ذلك. وإنما ذكر الإمام مفردة (تُراثَ)، مضافة إلى (محمد) (صلى الله عليه وآله) إشارة إلى استئثار بني أمية بفيئ رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وصاروا يقّترون على أهل البيت تَقْتِيْراً. وذكر بعض الشُّرَّاح أن المراد بـ (تُراث محمد) (صلى الله عليه وآله) ما كان له من الولاية في أخذه وصرفه من جميع الأموال والحقوق. وهذا وجه مقبول يناسب السياق اليه([12]). ويحتمل كلامه (صلى الله عليه وآله) معنى آخر، وهو تشبيهه (لتراث محمد) بـ (دَرّ النّاقة) التي استنزف لبنها، حتى صارت لا تدر إلاّ فواقاً فواقاً. وهذا الوجه المحتمل يتضمن الاشارة إلى عدم شرعية حكم هؤلاء الامويين، وعدم صحة تصرفهم بأموال النبي (صلى الله عليه وآله)، فضلاً عن الفساد المالي الذي كانوا يمارسونه من خلال استئثارهم بهذه الحقوق، وعدم توزيعها بشكل عادل)([13]).

الهوامش
([1]) ينظر: العين (فوق): 5/224، وتهذيب اللغة (فوق): 9/253.
([2]) ينظر: العين (فوق): 5/224.
([3]) نفسه. 
([4]) ينظر: العين (فوق): 5/224.
([5]) ينظر: تهذيب اللغة (فوق): 9/254.
([6]) ينظر: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 358.
([7]) التُّرَاث الميراثُ، وهو ما وُرِثَ. ينظر: المحكم (ورث): 10 /210. وذكر اللغويون أنّ (الإرث) أمله في الحَسَب، و (الوِرْث) في المال. ينظر: لسان العرب (أرث): 2/111.
([8]) نهج البلاغة: خ/77: 116.
([9]) ينظر: شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد): 6/139، والديباج الوضي: 2/553، ومع نهج البلاغة: 290.
([10]) ينظر: نهج البلاغة: خ/77: 116.
([11]) ينظر: تهذيب اللغة (فوق): 9/552.
([12]) ينظر: الديباج الوضي: 2/553. 
([13]) لمزيد من الاطلاع ينظر: ألفاظ الحياة الاجتماعية في نهج البلاغة: للدكتور حسام عدنان رحيم الياسري، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص 206-208.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1076 Seconds