من دلالة الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام دلالة الفعل ((تُبَيَّن)) في قوله: «وتبيَّن جريرتهُ»

أثر نهج البلاغة في اللغة والادب

من دلالة الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام دلالة الفعل ((تُبَيَّن)) في قوله: «وتبيَّن جريرتهُ»

4 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 14-10-2026

بقلم: الدكتور مصطفى كاظم شغيدل

الحمد لله الذي صدقنا وعده هي مقالة المتقين، وصلى الله على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين.

وبعد:
امتازت الخطبة المونقة لأمير المؤمنين عليه السلام والتي تسمى أيضا بـ(الخطبة الخالية من الألف) بكثرة الأفعال فيها، إذ وصلت إلى (170) فعل، فضلاً عما جاء مكرراً وبصيغة مختلفة؛ وهذه الخطبة مع أنها قيلت في موضع التندر لخلوها من الألف، غير أنها لم تكن خالية من الفكر بمختلف أبعاده، وهو على النحو الآتي:
تدلُّ مادَّة (تُبَيَّنُ) في اللُّغة على المعرفة، والوضوح، والظُّهور، والتَّأمُّل، والتَّوسُّم، والإنكشاف على نحو الوقوع واللُّزوم. فيُقال: بَانَ الحقُّ يَبِيْنُ بَيَاناً، فهو بَائِنٌ. وأَبَانَ يَبِيْنُ إبَانَةً؛ فهو مبين. ويُقال: بان الشَّيء وأَبان، بمعنى واحد، ويُقال: بان الشَّيء، وأَبنتُه. ويُقال: بان الشَّيء، وبيَّن، وأَبان واستبان، بمعنى واحد. ويُقال: تبيَّنتُ الأَمر، أَيْ: تأَمَّلته وتوسَّمته، وقد تبيَّن الأَمر، يكون لازماً وواقعاً([1]).
وقال الجوهريّ: «البيان: ما يتبيَّن به الشَّيء من الدَّلالة وغيرها. وبان الشَّيء بياناً: اتَّضح فهو بيِّن... وكذلك أَبان الشَّيء فهو مُبين... وأَبنته أَنا، أَيْ: أَوضحته، واستبان الشَّيء: وضح، واستبنته أَنا: عرفته. وتبيَّن الشَّيء: وضح وظهر وتبيَّنته أَنا... والتَّبيين: الإيضاح. والتَّبيين أَيضاً: الوضوح»([2]).
والبيِّنة: الدَّلالة الواضحة عقليَّة كانت أَو محسوسة، والبيان: الكشف عن الشَّيء، وهو أَعمُّ من النُّطق؛ لأَنَّ النُّطق مختصٌّ بالإنسان، ويُسمَّى ما بُيِّن به بياناً([3]).
وقال الفيُّوميّ: «بان الأَمرُ فهو بيِّن، وجاء بائن على الأَصل، وأَبان إبانة، وبيَّن وتبيَّن واستبان كلُّها بمعنى الوضوح والانكشاف»([4]).
وورد هذا الفعل (تُبَيَّن) مرَّةً واحدة في الخطبة مطابقاً دلالته اللُّغوية، وجاء به أَمير المؤمنين (عليه السلام)  مبنيّاً للمجهول لبيان ما يحصل على ذلك الإنسان في موقف من مواقف القيامة، حين يُقَابَلُ بصحيفته؛ فـ(تُبَيَّنُ جريرتهُ). والجريرة: هي الجناية، والذَّنب([5]). فيكون مراد أَمير المؤمنين (عليه السلام)، فظهر، وانكشف، وتوضَّح ذنب ذلك الإنسان، وجنايته على نحو الوقوع واللُّزوم، فيعرفها حقَّ المعرفة واليقين.
ومن قمين القول إنَّ أَمير المؤمنين (عليه السلام)  لم يُسند هذا الفعل (تبين) وما بعده ــ وهو قوله (عليه السلام): «ونَطَقَ كُّلُّ عُضْوٍ مِنْهُ بِسُوْءِ عَمَلِهِ، فَشَهِدَتْ عَيْنُهُ بِنَظَرِهِ، وَيَدُهُ بِبَطْشِهِ، ورِجْلُهُ بِخَطْوِهِ، وَجِلْدُهُ بِمَسِّهِ، وَفَرْجُهُ بِلَمْسِهِ» ــ إلى ذلك الإنسان نفسه، بل أَسندها إلى (الجريرة)، و(كل عضو)، و(عينه)؛ لما في ذلك من دلالة على أَنَّ ذلك الإنسان مجبر، وليس مخيَّراً، فيقلِّبه الحقُّ ــ تبارك وتعالى ــ كيفما يشاء، ويحاسبه كيفما يشاء، وهو لا يملك من أَمر نفسه شيئاً، فَيُقَابَل بصحيفته، وتُبَيَّن جريرتهُ، ونطق كلُّ عضو منه، عينه بنظره، ويده ببطشه، ورجله بخطوه، وجسده بمَسِّه، وفرجه بلمسه من دون إرادة منه، بل يسائلها عن سبب نطقها عمَّا ارتكبه، فيأْتي الجواب (أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ) ([6]).
و(تُبيَّن) فعل مضارع مبنيٌّ للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه الضَّمَّة الظَّاهرة على آخره، و(جريرته) نائب فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضَّمَّة الظَّاهرة على آخره، وهو مضاف والهاء: ضمير متَّصل مبنيٌّ على الضَّمِّ في محلِّ جرٍّ بالإضافة. وجملة (وتبيَّن جريرتهُ) معطوفة على جملة (وقوبل صحيفته))([7]).

الهوامش:
([1]). ينظر: تهذيب اللغة: 5/219، ولسان العرب: 13/62، وتاج العروس: 1/7980 و7981.
([2]). الصحاح في اللغة: 1/60.
([3]). ينظر: مفردات ألفاظ القرآن الكريم: 157.
([4]). المصباح المنير: 1/425.
([5]). ينظر: العين: 1/458، وتهذيب اللغة: 3/436 و4/48، ومعجم مقاييس اللغة: 1/369، والصحاح في اللغة: 1/87، والمحيط في اللغة: 2/87، والمخصص: 3/466، والمحكم والمحيط الأعظم: 3/230، ولسان العرب: 4/125، والقاموس المحيط: 1/371، وتاج العروس: 1/2603-2607.
([6]). فصلت: 21.
([7]) لمزيد من الاطلاع ينظر: الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام بين الدلالة المعجمية والاستعمال الوظيفي: للدكتور مصطفى كاظم شغيدل، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص281-283.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.2546 Seconds