من دلالة الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام دلالة الفعل ((قُوْبِلَ)) في قوله: «وَقُوْبِلَ صحيفته»

أثر نهج البلاغة في اللغة والادب

من دلالة الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام دلالة الفعل ((قُوْبِلَ)) في قوله: «وَقُوْبِلَ صحيفته»

54 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 26-09-2026

بقلم: الدكتور مصطفى كاظم شغيدل

الحمد لله الذي صدقنا وعده هي مقالة المتقين، وصلى الله على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين.

وبعد:
امتازت الخطبة المونقة لأمير المؤمنين عليه السلام والتي تسمى أيضا بـ(الخطبة الخالية من الألف) بكثرة الأفعال فيها، إذ وصلت إلى (170) فعل، فضلاً عما جاء مكرراً وبصيغة مختلفة؛ وهذه الخطبة مع أنها قيلت في موضع التندر لخلوها من الألف، غير أنها لم تكن خالية من الفكر بمختلف أبعاده، وهو على النحو الآتي:
تدلُّ مادَّة (قُوْبِلَ) في اللُّغة على المواجهة، والمعاينة، وضمِّ الشَّي إلى شيء آخر، جاء في (العين): «والقُبُل: خلاف الدُّبر... والقُبْل: من إقبالك على الشَّيء، تقول: قد أَقبلْتُ قُبْلَكَ، كأَنَّك لا تُريد غيره... وسئل الخليل عن قول العرب: كيف أَنت لو أَقْبَلَ قُبْلُكَ، قال:... إنَّما هو: كيف أَنت لو استُقْبِلَ وجهُك بما تكره... تقول: لقيته قِبَلاً أَيْ: مواجهة... وقوله تعالى: (وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً)([1]) أَيْ: قبيلاً قبيلاً ويُقال: عياناً، أَيْ: يُسْتَقْبَلُون كذلك... ومُقَابلةٌ وقُبالةٌ: ما كان مستقبل شيء... وإذا ضممت شيئاً إلى شيء، تقول: قابلته به» ([2]).
وقال ابن فارس: «القاف والباء واللَّام أَصل واحد صحيح تدلُّ كَلِمُهُ كُلُّها على مواجهة الشَّيء للشَّيء، ويتفرَّع بعد ذلك. فالقُبُل من كلِّ شيء: خلافُ دُبُره، وذلك أَنَّ مُقْدِمَهُ يُقبل على الشَّيء. والقبيل. ما أَقبلت به المرأَة من غزلها حين تَفْتِلُه، والدَّبير: ما أَدبرت عنه»([3]).

وقال الزَّمخشريّ: «ذهب قِبَلَ السّوق. ولِي قِبَلُك حقٌّ، وأَصبتُ هذا من قِبَلِكَ، أَيْ: من جهتك وتلقائك. ولقيتُه قَبَلاً وقُبْلاً وقَبَلاً: مواجهةً وعياناً... ورأَيت بذلك القَبَل شخصاً، وهو ما استقبلك من نشز أَو جبل... وما تصنع لو أَقبل قُبْلُكَ، ولو أَقبل قبلك لسكتَّ، أَيْ: لو اسْتُقْبِلْتَ بما تَكره... وأَقبلت الإناء مجرى الماء، إذا استقبلت به جَرْيَتَهُ»([4]).
وتطابقت دلالة الفعل (قوبل) في الخطبة مع دلالته اللُّغوية؛ إذ جاء به أَمير المؤمنين (عليه السلام)  مرَّةً واحدة لبيان ما يحصل على ذلك الإنسان في موقف من مواقف القيامة، حين يُحشر ذلك الإنسان، ويُنشر من قبره، ويتولَّى لفصل عند رب قدير، بعبده خبير بصير، وقد أَلجمه عرقُه، وخَفَرَهُ قَلقهُ، عَبرتُه غيرُ مرحومة، وصَرْختُه غيرُ مسموعة، وحُجَّتُهُ غيرُ مقبولة، فخينذاك ــ كما يقول أَمير المؤمنين (عليه السلام): «وَقُوْبِلَ صحيفته»، أَيْ: إنَّ الله ــ تبارك وتعالى ــ يواجه ذلك الإنسان بصحيفته، ويعاينه إيَّاها، وكأَنــَّه ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ يضمُّ ذلك الإنسان إلى صحيفته ضمَّاً؛ دلالة على مقابلته إيَّاه بكلِّ ما فيها من صغيرة وكبيرة، ومن سرٍّ وعلن، من لحظة تكليفه إلى آخر لحظة في حياته.

وجدير بالذِّكر أَنَّ أَمير المؤمنين (عليه السلام) لم يقل: «وقابل صحيفته»، بل أَسنده إلى المفعول، فقال: «وقوبل صحيفتُه»؛ لأَمرين:
أَحدهما: أَنــَّه (عليه السلام) لو قال: (وقابل صحيفته) لفاتت الفائدة من الخطبة، وهي خلوُّها من الألف.
والآخر: أَنَّ دلالة قوله (عليه السلام): «وقوبل صحيفته» تختلف عن دلالة (قابل صحيفته)؛ ففي الأَوَّل يُشعرك الفعل بأَنَّ ذلك الإنسان مجبر على مقابلته صحيفته، وليس مخيَّراً، أَمَّا لو قال: (وقابل صحيفته)، فكأَنــَّه مخيَّر في ذلك، وهو ليس كذلك.
و(قوبل) الواو: حرف عطف، و(قوبل) فعل ماضٍ مبنيٌّ للمجهول مبنيٌّ على الفتح، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه تقديره هو، عائد إلى (من جذبت نفسه)، و(صحيفتُه) بدل من نائب الفاعل ــ بدل بعض من كلٍّ ــ مرفوع، وعلامة رفعه الضَّمَّة الظَّاهرة على آخره، وهو مضاف، والهاء ضمير متَّصل مبنيٌّ على الضَّمِّ في محلِّ جرٍّ بالإضافة. وجملة (وقوبل صحيفته) معطوفة على جملة (ويخفره قلقه))([5]).

الهوامش:
([1]). الأنعام: 111.
([2]). العين: 1/401. وينر: جمهرة اللغة: 1/174، وتهذيب اللغة: 3/229-231، والصحاح في اللغة: 2/59، والمحيط في اللغة: 1/481، والمحكم والمحيط الأعظم: 3/60، والمصباح المنير: 7/294، وتاج العروس: 1/7422-7432.
([3]). معجم مقاييس اللغة: 5/42-44.
([4]). أساس البلاغة: 1/364.
([5]) لمزيد من الاطلاع ينظر: الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام بين الدلالة المعجمية والاستعمال الوظيفي: للدكتور مصطفى كاظم شغيدل، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص278-279.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1122 Seconds