الأخلاق من نهج البلاغة: 1. عظمة ذي الجلال

سلسلة قصار الحكم

الأخلاق من نهج البلاغة: 1. عظمة ذي الجلال

217 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 12-09-2021

بقلم: الشيخ محسن علي المعلم

((الحمد لله كما هو أهله، والصلاة والسلام على هداة الخلق إلى الحق، محمد وآله الطاهرين))
أما بعد:

قال عليه السلام:
«فَلَسْنَا نَعْلَمُ كُنْهَ عَظَمَتِكَ إِلاَّ أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ: حَيٌّ قَيُّومٌ، لاَ تَأْخُذُكَ سِنَةٌ، وَلاَ نَوْمٌ، لَمْ يَنْتَهِ إِلَيْكَ نَظَرٌ، وَلَمْ يُدْرِكْكَ بَصَرٌ، أَدْرَكْتَ الاَْبْصَارَ، وَأَحْصَيْتَ الاَْعْمَالَ، وَأَخَذْتَ بِالنَّواصِي وَالاَْقْدَامِ، وَمَا الَّذِي نَرَى مِنْ خَلْقِكَ، وَنَعْجَبُ لَهُ مِنْ قُدْرَتِكَ، وَنَصِفُهُ مِنْ عَظِيمِ سُلْطَانِكَ، وَمَا تَغَيَّبَ عَنَّا مِنْهُ، وَقَصُرَتْ أَبْصَارُنَا عَنْهُ، وَانْتَهَتْ عُقُولُنَا دُونَهُ، وَحَالَتْ سَوَاتِرُ الْغُيُوبِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ أَعْظَمُ، فَمَنْ فَرَّغَ قَلْبَهُ، وَأَعْمَلَ فِكْرَهُ، لِيَعْلَمَ كَيْفَ أَقَمْتَ عَرْشَكَ، وَكَيْفَ ذَرَأْتَ خَلْقَكَ، وَكَيْفَ عَلَّقْتَ فِي الْهَوَاءِ سمَـاوَاتِكَ، وَكَيْفَ مَدَدْتَ عَلى مَوْرِ المَاءِ أَرْضَكَ، رَجَعَ طَرْفُهُ حَسِيراً، وَعَقْلُهُ مَبْهُوراً، وَسَمْعُهُ وَالَهِاً، وَفِكْرُهُ حَائِراً»[1].

الله تعالى حقيقة الحقائق وسرها غيب لا يوصف، وكنز لا يعرف وإنما تدرك أطراف آثارها، ويحاط ببعض أخبارها.
وعظمة الله عنوان علمه ؛ ونفوذ سلطانه، وعموم قدرته، وكمال جماله، وجمال كماله، وهيمنته -سبحانه- على الأمر كله.
فأي إدراك يبلغ ما لا حد لمداه، ولا ابتداء لأوله؟!
أجل...
إن العقل -وهو هبة العظمة- يدرك بأن واهب الحياة هو الحي وأن مبقيها هو القيوم، وشأن القيوم أن لا تأخذه سنة ولا نوم، فالمخلوق يحتاج إلى علتين محدثة ومبقية.
وليس الله جسمًا فيصل إليه نظر بل هو مجسم الأجسام وهو -تعالى وتقدس- غيرها فلو ماثلها لشاركها في نقائصها، ولاحتاج إلى ما افتقرت إليه، لا بل هو خالقها ومدركها، مدرك ما فيها ومابه إدراكها وهو اللطيف الخبير.
ومن شأن خالقيته وقيوميته إحاطته بما خلق، فيحيط بأعمالهم وأسرارهم.
﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾[2].
﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء﴾[3].
﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾[4].
وقدرته -جلـّت عظمته- جامعة فهو القابض والباسط، وفي قبضته أزمة خلقه، وبيده تدبيرهم وهو المهيمن على الأمر كله.
ولئن أدرك موهوب العقل والمنعم عليه بالنظر وإمتداد البصر من بديع الخلق والصنع وعجيب القدرة وعظيم الهيمنة ونفوذ السلطان، فهو إنما يدرك من ذلك طرفًا ويخبر شطرًا ولا يحيط بسرها خبراً، فما حيلته فيما أكتنفه الغيب، وأدوات المعرفة قاصرة برمتها عن إدراكه.
فلكل منها حد ومدى، وكافتها قاصرة متناهية فكيف تدرك ما لا يتناهى.
ودونك أيها العاقل الناظر مظهرًا من دلائل القدرة وإحكام الصنع، فأجل فيها النظر وأعمل الفكر، وسيان في ذلك ما ترى وما لا ترى وما تفاوت في الشأن من كبير وصغير فالكل جليل وخطير، بل منها أنت أنت بجسمك ولحمك ودمك وعقلك.
فما هو عرش جبّار السموات والأرض كيف أقامه مبدعه؟ وكيف ذرأ الخلق؟
﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾[5].
﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى﴾[6].
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾[7].
﴿فَلْيَنظُرِ الإنسان مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾[8].

وهذه السماء معلقة في الهواء والأرض مدت على موج الماء.
﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾[9].
﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إلى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾[10].
﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إلى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾[11].
﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ * هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾[12].
فمن استفرغ وسعه وتجرد وتمحض جهده بقلبه وفكره ليقف على هاتيك العلل وتلكم الأسرار فما يجني من عنائه إلا ّ تعطل قواه وفقده لآلات إدراكه يتملكه الإنبهار وتأسره الحيرة فيتقهقر عقله وتضعف حواسه، فقد حمّل قواه ما لا تقوى على حمله.
﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾[13].
وبعد...
فالاعتراف بالعجز أقوم وأهدى وأبعث على الخشوع والخضوع لكبرياء ذي العظمة والجبروت والملك والملكوت.
هذا وجليٌّ عن البيان سريان الروح القرآنية في جمل مولى الموحدين وكلماته، ولا غرو فإنها ممن هو مع القرآن والقرآن معه وهو قرآن الله الناطق وترجمانه الصادق، وهي ظاهرة لافتة في كلمه غنية عن البرهان.[14].

الهوامش:
[1] خ 160 /224.
وقد اعتمدنا هذا الترميز للإشارة إلى إيراد نصوص نهج البلاغة:
خ تعني خطبة، وبعدها رقم الخطبة، ثم العلامة المائلة / وبعدها رقم الصفحة.
وهكذا بالنسبة للكتب والرسائل مع استعمال حرف (ك) لها، وكذلك الحكم مع استعمال حرف (م) لها.
علمًا أن النسخة المعتمدة هي ضبط وفهارس الدكتور صبحي الصالح.
[2] سورة الملك /14.
[3] سورة آل عمران /5.
[4] سورة الكهف /49.
[5] سورة آل عمران /59.
[6] سورة القيامة /37-39.
[7] سورة غافر /67.
[8] سورة الطارق /5-7.
[9] سورة الرعد /2.
[10] سورة الغاشية /17-20.
[11] سورة ق /6-8.
[12] سورة لقمان /10-11.
[13] سورة الملك /3-4.
[14] لمزيد من الاطلاع ينظر: الأخلاق من نهج البلاغة: الشيخ محسن علي المعلم، العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة، ط1، ص 35-40.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1402 Seconds