الدنيا في خطب الإمام علي عليه السلام 8- قوله عليه السلام: ((فَاتَّقُوا اللَّه عِبَادَ اللَّه وبَادِرُوا آجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ...))

سلسلة قصار الحكم

الدنيا في خطب الإمام علي عليه السلام 8- قوله عليه السلام: ((فَاتَّقُوا اللَّه عِبَادَ اللَّه وبَادِرُوا آجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ...))

158 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 23-11-2022

بقلم السيد عبد الحسين الغريفي المشهدي

الحمد لله رب العالمين، ثم الصلاة والسلام على سيّد الخلق أجمعين سيدنا ونبيّنا أبي القاسم المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على اعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

وبعد:
فأن مما ورد في نهج البلاغة حول الدنيا أنه عليه السلام ذكرها في خطبة أولها:
فَاتَّقُوا[1] اللَّه عِبَادَ اللَّه وبَادِرُوا آجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ، وابْتَاعُوا مَا يَبْقَى لَكُمْ بِمَا يَزُولُ عَنْكُمْ وتَرَحَّلُوا فَقَدْ جُدَّ بِكُمْ واسْتَعِدُّوا لِلْمَوْتِ فَقَدْ أَظَلَّكُمْ وكُونُوا قَوْماً صِيحَ بِهِمْ فَانْتَبَهُوا وعَلِمُوا أَنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ لَهُمْ بِدَارٍ فَاسْتَبْدَلُوا فَإِنَّ اللَّه سُبْحَانَه[2] لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً ولَمْ يَتْرُكْكُمْ سُدًى  ومَا بَيْنَ أَحَدِكُمْ وبَيْنَ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ  إِلَّا الْمَوْتُ أَنْ يَنْزِلَ بِه[3]...

شرح الألفاظ الغريبة:                
بادروا آجالكم بأعمالكم: أي سابقوها وعاجلوها بها؛ ابتاعوا: ما يبقى من النعم الأبدي، بما يفني من لذة الحياة الدنيا وشهواتها المنقضية؛ الترحل: الانتقال والمراد هنا لازمه، وهو: إعداد الزاد الذي لا بد منه للرحيل؛ جد بكم: أي حثثتم وازعجتم إلى الرحيل؛ أظلكم: قرب منكم من كأن له ظلا قد ألقاه عليكم؛  سدى: مهملين[4]. 

شرح ابن ميثم البحراني:
حاصل هذه الموعظة: التنفير من الدنيا، والترغيب في الآخرة وما يكون وسيلة إلى نعيمها، والترهب مما يكون سببا للشقاء فيها.  
فقوله: ((واتقوا الله...)) إلى قوله: ((بأعمالكم)):
فيه تنبيه على وجوب لزوم الأعمال الصالحة، وحث عليها بالأمر بمسابقة الآجال وعلى توقع سرعة الأجل وإخطاره بالبال، وهو من الجواذب القوية إلى الله تعالى: ((ونسب المسابقة إلى الآجال ملاحظة لشبهها بالمراهن، إذ كان لحوقها حائلا بينهم وبين الأعمال الصالحة الشبيهة بما يسبق عليه من رهن.
فقوله: ((وابتاعوا ما بقي...)) إلى قوله: ((عنكم)).
إشارة إلى لزوم الزهد في الدنيا، والتخلي عن متاعها الفاني، وأن يشتري به ما يبقى من متاع الآخرة؛ وقد عرفت غير مرة إطلاق لفظ البيع هنا، وقيد المشتري بما يبقى، والثمن بما يزول؛ ليكون المشترى أحب إلى النفوس لبقائه.

وقوله: ((وتَرَحَّلُوا فَقَدْ جُدَّ بِكُمْ)):
أمر بالترحيل وهو قطع منزل منزل من منازل السفر إلى الله تعالى في مراتب السلوك لطريق.
ونبّه على وجوب الترحل بقوله: ((قد جُدّ بكم)): أي في السير إلى آجالكم بقوة، وذلك الجدّ يعود إلى سرعة توارد الأسباب التي تعد المزاج للفساد وتقرّبه إلى الآخرة؛ ملاحظة لشبهها بسائق الإبل ونحوها.

وقوله: ((واستعدوا للموت فقد أظلكم)):
الاستعداد له هو باستكمال النفوس كما لها الذي ينبغي؛ حتى لا يبقى للموت عندها كثير وقع بل يكون محبوباً؛ لكونه وسيلة إلى المحبوب، وهو لقاء الله والسعادة الباقية في حضرة الملأ الأعلى.
ونبه بقوله: ((فقد أظلّكم)) على قربه، واستلزم ذلك تشبيهه بالسحاب والطير، فاستعير له وصف الإظلال.
وقوله: ((وكونوا قوماً صيح بهم فانتبهوا)):
تنبيه لهم على الالتفات إلى منادى الله، وهو لسان الشريعة، والانتباه بندائه من مراقد الطبيعة.
وقوله: ((وعلموا...)) إلى قوله: ((سدى)):
تنبيه لهم على أن الدنيا ليست بدار لهم ليلتفتوا عن الركون إليها ويتوقعوا الإخراج، منها.
ثمّ أمرهم بالاستبدال بها ليذكروا أن هناك عوضاً منها يجب أن يلتفت إليه، وهو الدار الآخرة.
ونبّه بقوله: ((فَإِنَّ اللَّه لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً...)) إلى آخره: على وجوب العمل لذلك البدل، فإنهم لم يخلقوا إلا لأمر وراء ما هم فيه.
وقوله: ((ما بين أحدكم...)) إلى قوله: ((ينزل به)):
تعيين لما خلقوا له ووعدوا بالوصول إليه وأنه لا حايل بينهم وبينه إلا الموت.

قال بعض الشارحين: وهذا الكلام مما يصلح متمسكاً للحكماء في تفسيرهم للجنة والنار، فإنهم لما قالوا: إن الجنّة تعود إلى المعارف الإلهية ولوازمها، والنار تعود إلى حب الدنيا والميل إلى مشتهياتها، وتمكن الهيئات الرديئة في جوهر النفس وعشقها بعد المفارقة لما لا يتمكن من العود إليه كمن نقل عن مجاورة معشوقه والالتذاذ به إلى موضع ظلماني شديد الظلمة مع عدم تمكنه من العود إليه، كما قال تعالى: {قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا} الآية[5] وكان إدراك لذة المعارفة التامة، وإدراك ألم النار بالمعنى أمراً يتحقق حال مفارقة هذا للبدن؛ إذ كان الإنسان في عالم الشهادة في إدراكه لما حصل في نفسه وتمكن من الهيئات كعضو مفلوج غطى خدره على ألمه أزال الخدر أحس بالألم فكذلك النفس بعد الموت تدرك مالها من لذّة أو ألم كما هو لزوال الشواغل البدنيّة عنها.
قلت: وهذا الكلام أيضاً ظاهر على مذهب المتكلمين إذ جاء في الخبر أن العبد يكشف له الموت عما يستحقه من جنة أو نار ثم يؤجل ذلك إلى قيام القيامة الكبرى[6].)([7]).

الهوامش:
[1] شرح نهج البلاغة لصبحي صالح: (فاتقوا) بدل (واتقوا).
[2] كلمة (سبحان) ليست في نهج الشيخ العطار.
[3] نهج البلاغة لصبحي صالح: 95/ خطبة رقم 64، ونهج العطار: 119/ خطبة رقم 63، وشرح نهج البلاغة لابن ميثم 2: 161/ خطبة رقم 61، ونهج محمد عبده 1: 118-120.
[4] شرح الألفاظ الغريبة لصبحي صالح: 582.
[5] المؤمنون: 99-100.
[6] شرح نهج البلاغة لابن ميثم البحراني 2: 162-164/ شرح الخطبة رقم 61.
([7]) لمزيد من الاطلاع ينظر: الدنيا في نهج الإمام علي عليه السلام: السيد عبد الحسين الغريفي، ط: مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة: ص 51-54.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1969 Seconds