الدنيا في خطب الإمام علي عليه السلام قوله عليه السلام: ((أَيُّهَا النَّاسُ، فَأَنَا فَقَأْتُ عَيْنَ الْفِتْنَةِ ...))

سلسلة قصار الحكم

الدنيا في خطب الإمام علي عليه السلام قوله عليه السلام: ((أَيُّهَا النَّاسُ، فَأَنَا فَقَأْتُ عَيْنَ الْفِتْنَةِ ...))

333 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 11-01-2023

بقلم السيد عبد الحسين الغريفي المشهدي

الحمد لله رب العالمين، ثم الصلاة والسلام على سيّد الخلق أجمعين سيدنا ونبيّنا أبي القاسم المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على اعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

وبعد:
فأن مما ورد في نهج البلاغة حول الدنيا أنه عليه السلام ذكرها في خطبة ينبّه فيها على فضله وعلمه ويبين فتنة بني أميه، فيقول عليه السلام:
أَيُّهَا النَّاسُ، فَأَنَا[1] فَقَأْتُ عَيْنَ الْفِتْنَةِ ، ولَمْ يَكُنْ لِيَجْتَرِئَ[2] عَلَيْهَا أَحَدٌ غَيْرِي، بَعْدَ أَنْ مَاجَ غَيْهَبُهَا، واشْتَدَّ كَلَبُهَا، فَاسْأَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي؛ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ  فِيمَا بَيْنَكُمْ وبَيْنَ السَّاعَةِ، ولَا عَنْ فِئَةٍ تَهْدِي مِائَةً وتُضِلُّ مِائَةً  إِلَّا أَنْبَأْتُكُمْ بِنَاعِقِهَا وقَائِدِهَا وسَائِقِهَا ومُنَاخِ رِكَابِهَا، ومَحَطِّ رِحَالِهَا، ومَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَهْلِهَا قَتْلًا ومَنْ [3] يَمُوتُ مِنْهُمْ مَوْتاً، ولَوْ قَدْ فَقَدْتُمُونِي، ونَزَلَتْ بِكُمْ [4] كَرَائِهُ الأُمُورِ، وحَوَازِبُ الْخُطُوبِ، لأَطْرَقَ كَثِيرٌ مِنَ السَّائِلِينَ، وفَشِلَ كَثِيرٌ مِنَ الْمَسْؤُولِينَ، وذَلِكَ إِذَا قَلَّصَتْ حَرْبُكُمْ، وشَمَّرَتْ عَنْ سَاقٍ، وضَاقَتِ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ ضِيقاً، تَسْتَطِيلُونَ مَعَهُ أَيَّامَ الْبَلَاءِ عَلَيْكُمْ ، حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ لِبَقِيَّةِ الأَبْرَارِ مِنْكُمْ ...[5].

شرحالألفاظ الغريبة:
فَقَأتها: قَلَعْتُها، تمثيل لتغلبه عليها؛ الغيهب: الظلمة، وموجها: شمولها وامتدادها، الكَلَبَ: - محرّكة – داء معروف يصيب الكلاب فكل من عضته أصيب به فجن ومات إن لم يبادر بالدواء؛ ناعقها: الداعي إليها، من نعق بغنمه صاح بها لتجتمع؛ المناخ: - بضم الميم – محل البُرُوك؛ الكَرَائِه: جمع كريهة؛ الحوازب: جمع حازب، وهو الأمر الشديد حزبه الأمر إذا أصابه واشتد عليه؛ قلصت: - بتشديد اللام – تمادت واستمرت[6].

شرح نهج البلاغة لابن ميثم البحراني:
مقصود هذا الفصل: التنبيه على فضيلته وشرح وقته به، وعلى رذيلة بني أمية بذكر فتنتهم وما يكون منهم، ليشتد النفار عنهم، وتقوى الرغبة إليه من وجهين أحدهما: بإخباره عما سيكون.

والثاني: بذكر الشرور من غيره.
فقوله: ((فَأَنَا فَقَأْتُ عَيْنَ الْفِتْنَةِ)): إشارة إلى فتنة أهل البصرة وغيرها، واستعار لها لفظ العين، وإنما خص العين؛ لأنها أشرف عضو في الوجه، وبها تصرف الشخص وحركته، ورشح الاستعارة بذكر الفقاء، وكنى به عن زوال فتنتهم بسيفه.

وقوله: ((ولَمْ يَكُنْ لِيَجْتَرِئَ عَلَيْهَا أَحَدٌ غَيْرِي)): أي إن الناس كانوا لا يتجاسرون على قتال أهل القبلة ويخافون من ذلك الحرج والإثم، ولا يعلمون كيفية قتالهم، هل يتبعون مدبرهم، وهل يجهزون على جريحهم وهل تسبى ذراريهم وتقسم أموالهم إذا بغوا أم لا؟ حتى أقدم عليه السلام على فتنتهم ففقأ عينها فسكنت بعد هياجها، ومبدء ذلك حرب عائشة.
وقد صرح عليه السلام بذلك في ألفاظ أحرى فقال: ((أما بعد، فأنا فقات عين الفتنة شرقيها وغربيها ومنافقها وما رقها لم يكن ليجترئ عليها غيري ولو لم أكن لما قوتل أصحاب الجمل ولا صفين ولا أصحاب النهر)).
ويحتمل أن يكون المراد فقأت عين أهل الفتنة فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه ويكون فقاؤه لعيونهم كناية عن قتلهم.
وروي أن من المتوقفين عن الحرب الأحنف بن قيس وجماعة معه.

وكنى بتموج غيهبها عن انتشار ظلمات الشبهة عن تلك الفتن في أذهان الناس، فجهلوا أن خلاف طلحة وخروج عائشة كان حقاً أو باطلاً فكان ذلك سبباً لاضطرابهم وقتالهم وقتلهم.
وكذلك كنى باشتداد كلبها عن شدة ما وقع منها من الشرور وكلب أهلها وحرسهم على القتل والقتال: كناية بالمستعار في موضعين.
وقوله: ((فَاسْأَلُونِي...)) إلى قوله: ((وَمَنْ يَمُوتُ مِنْهم مَوْتاً)).
تعرض للأسئلة عما سيكون، ولم يكن ليجترئ على ذلك أحد  غيره من بين سائر الصحابة والتابعين ولو ادعى غير ذلك لكذبه العيان وفضحه الامتحان.
وروي أن قتادة دخل الكوفة فالتفت عليه الناس فقال: سلوني عما شئتم وكان أبو حنيفة حاضراً وهو إذن غلام حدث السن، فقال: سلوه عن نملة سليمان أكانت ذكراً أم انثى؟ فسالوه فانقطع فقال أبو حنيفة كانت أنثى فقيل له بم عرفت ذلك؟ فقال: من كتاب الله وهو قوله: {قَالَتْ نَمْلَةٌ}[7] ولو كان ذكراً لقال: قال نمل، وذلك أن النملة تقع على الذكر والأنثى كالحمامة والشاة، وإنما يميز بينهما بعلامة التأنيث.

فانظر إلى هذا المعجب بنفسه؟! كيف انقطع عن سؤال يمكن الفطن أن يجيب عنه بأدنى سعي فكيف به إذا سئل عن الأمور المستقبلة التي لا يتنزلها من عالم الغيب إلا من أيد بقوة إلهية تكشف لنور بصيرته معها حجب الأسرار؟! وقد بينا فيما سبق وجه تمكنه من الإخبار عما سيكون وكيفية ذلك.
وأراد بالساعة القيامة، واستعار أوصاف الإبل ورعاتها وأصحابها – من الناعق والقائد والساق والمناخ والركاب والرحال- للفئة المهدية والضالة ومن يهديهم ويضلهم ملاحظة لشبههم بالإبل في الاجتماع والانقياد لقائد وداعي، وضمير في أهلها يعود إلى الفئة.
وقوله: ((ولَوْ قَدْ فَقَدْتُمُونِي...)) إلى قوله: ((الْمَسْؤُولِينَ)):
((كَرَائِهُ الأُمُورِ)): ما يكرهون منها.
((وحَوَازِبُ الْخُطُوبِ)): ما يصيبهم من الأمور العظيمة المهمة.
((وَإطْرَاقُ السَّائِليِن)) لحيرتهم في عواقب تلك الخطوب، وما يكون منها، وكيفية الخلاص.
((وفَشِلَ كَثِيرٌ مِنَ الْمَسْؤُولِينَ)): أي اجبنوا عن رد الجواب؛ لجهلهم بعواقبها وما يسألون عنه منها.

وقوله: ((كذلك)):
إشارة في أطراق السائلين وفشل المسؤولين.
وقوله: ((إذا قصلت حربكم)): تفسير لكرائه الأمور النازلة بهم، واستعار لفظ التقليص والتشمير عن ساق الحرب.
ووجه الاستعارة: تشبيهها بالمجد في الأمر الساعي فيه، وكما أنه إذا أراد أن يتوجه قلص ثيابه وشمرها عن ساقه لئلا تعوفه، وتهيأ وأجمع عليه، كذلك الحرب في كونها مجتمعة عن النزول بهم واللحوق لهم، والواو في قوله: وضاقت للعطف على شمرت وموضع تستطيلون: النصب على الحال.
أي الذين يسلمون بني أمية في دينهم، وأعمارهم ويفتح الله لهم بهلاكهم وزوال دولتهم[8])([9]).

الهوامش:
[1] في نهج صبحي صالح: (فأنّي).
[2] في نهج ابن ميثم البحراني: (ليَجْرَؤ) وفي نهج محمد عبده (لِيَجْرَأ).
[3] (من): ليس في نهج ابن ميثم ومحمد عبده.
[4] (بكم): ليس في نهج الشيخ العطار.
[5] نهج البلاغة لصبحي صالح: 137/ خطبة رقم 93، وهي في نهج البلاغة تحقيق الشيخ العطار: 179/ خطبة رقم 92، وشرح نهج ابن ميثم البحراني 2: 387- 388/ خطبة رقم 90، ونهج الشيخ محمد عبده: 199.
[6] شرح الألفاظ الغريبة: 607- 608.
[7] النمل: 18.
[8] شرح نهج البلاغة لابن ميثم البحراني 2: 389- 391/ شرح خطبة رقم 90.
([9]) لمزيد من الاطلاع ينظر: الدنيا في نهج الإمام علي عليه السلام: السيد عبد الحسين الغريفي، ط: مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة: ص 71-76.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.2172 Seconds