الأخلاق من نهج البلاغة: مثلان رائع ومُروّع

سلسلة قصار الحكم

الأخلاق من نهج البلاغة: مثلان رائع ومُروّع

167 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 11-05-2024

بقلم: الشيخ محسن المعلم

((الحمد لله كما هو أهله، والصلاة والسلام على هداة الخلق إلى الحق، محمد وآله الطاهرين))

وبعد:
فقد أفاض إمام الأمة وربانيها وهاديها -صلوات الله على روحه الطيبة- المقال في كافة شؤون المعاد وإعداد العبد للقاء الرب فأخذ في إثارة كل ما يحقق الغاية ويهدي السبيل من التبصير بالدنيا واغتنام الفرصة واستثمار العمر العزيز والفرصة المتاحة بالتماس ما يقرب العبد بمولاه في دنياه وأخراه.
وهديه -كما أسلفت- ممتد واسع في كلمه وثنايا خطبه مما لا يسعني استيعابه لضيق مجال البحث وخطته عن ذلك:
ولكنّي آخذ بطرف منه وجامع من شذراته:
ومنها: مثلان رائع ومُروّع:
فقد جاء كتابه الكريم وهديه القويم إلى ولده الإمام الحسن المجتبى حافلاً بالتربية الروحية العالية والحكم الراقية في كافة الشؤون المترامية، ومن جملة ما حفل به بيانه الحكيم وحكايته عمّا خبره وأحاط به من أمر الدنيا والآخرة فقال عليه السلام في ذلك تمهيدًا:
«يَا بُنَيَّ إِنِّي قَدْ أَنْبَأْتُكَ عَنِ الدُّنْيَا وَحَالِهَا وَزَوَ الِهَا وَانْتِقَالِهَا وَأَنْبَأْتُكَ عَنِ الْآخِرَةِ وَمَا أُعِدَّ لِأَهْلِهَا فِيهَا وَضَرَبْتُ لَكَ فِيهِمَا الْأَمْثَالَ لِتَعْتَبِرَ بِهَا وَتَحْذُوَ عَلَيْهَا».

ثم ذكر المثل الرائع لمن كان على بصيرة من أمره وبينة:
«إِنَّمَا مَثَلُ مَنْ خَبَرَ الدُّنْيَا كَمَثَلِ قَوْمٍ سَفْرٍ نَبَا بِهِمْ مَنْزِلٌ جَدِيبٌ فَأَمُّوا مَنْزِلًا خَصِيباً وَجَنَاباً مَرِيعاً فَاحْتَمَلُوا وَعْثَاءَ الطَّرِيقِ وَفِرَاقَ الصَّدِيقِ وَخُشُونَةَ السَّفَرِ وَجُشُوبَةَ المَطْعَمِ لِيَأْتُوا سَعَةَ دَارِهِمْ وَمَنْزِلَ قَرَارِهِمْ فَلَيْسَ يَجِدُونَ لِشَيْ‏ءٍ مِنْ ذَلِكَ أَلَماً وَلَا يَرَوْنَ نَفَقَةً فِيهِ مَغْرَماً وَلَا شَيْ‏ءَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِمَّا قَرَّبَهُمْ مِنْ مَنْزِلِهِمْ وَأَدْنَاهُمْ مِنْ مَحَلَّتِهِمْ».

وعن المثل المروّع:
«وَمَثَلُ مَنِ اغْتَرَّ بِهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ كَانُوا بِمَنْزِلٍ خَصِيبٍ فَنَبَا بِهِمْ إِلَى مَنْزِلٍ جَدِيبٍ فَلَيْسَ شَيْ‏ءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِمْ وَلَا أَفْظَعَ عِنْدَهُمْ مِنْ مُفَارَقَةِ مَا كَانُوا فِيهِ إِلَى مَا يَهْجُمُونَ عَلَيْهِ وَيَصِيرُونَ إِلَيْهِ»([1]).

وبعد...
فقد أوقفنا وليّ الله والقائم بأمره وخازن علمه وترجمان قرآنه على حقيقة الدنيا وأوضاعها وتقلبها وأنها دار المكاره والغصص وموطن العمل والتدارك ومزرعة الآخرة، وبيّن -سلام الله عليه- ارتحال من فيها إلى عالم آخر ممتد لا ينقطع عبر مراحل وأهوال وسكرات وقبر وبرزخ حتى الوفود على جبار السموات والأرض يوم العرض الأعظم الأفظع على الله في ساحة عدل قضائه وحسابه وثوابه وعقابه وجسّد عليه السلام بفضل علمه وبلاغته الغيب شهوداً والبعيد قريباً والحقيقة عياناً ملموساً.

ولقد أطال وأطنب وكرّر وأوضح وشدد وأعذر وبشّر وأنذر، وخير ختام إيراد ما كان كثيراً ما ينادي به أصحابه:
«تَجَهَّزُوا رَحِمَكُمُ اللهُ فَقَدْ نُودِيَ فِيكُمْ بِالرَّحِيلِ وَأَقِلُّوا الْعُرْجَةَ عَلَى الدُّنْيَا وَانْقَلِبُوا بِصَالِحِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ مِنَ الزَّادِ فَإِنَّ أَمَامَكُمْ عَقَبَةً كَئُوداً وَمَنَازِلَ مَخُوفَةً مَهُولَةً لَا بُدَّ مِنَ الْوُرُودِ عَلَيْهَا وَالْوُقُوفِ عِنْدَهَا وَاعْلَمُوا أَنَّ مَلَاحِظَ المَنِيَّةِ نَحْوَكُمْ دَانِيَةٌ وَكَأَنَّكُمْ بِمَخَالِبِهَا وَقَدْ نَشِبَتْ فِيكُمْ وَقَدْ دَهَمَتْكُمْ فِيهَا مُفْظِعَاتُ الْأُمُورِ وَمُعْضِلَاتُ المَحْذُورِ. فَقَطِّعُوا عَلَائِقَ الدُّنْيَا وَاسْتَظْهِرُوا بِزَادِ التَّقْوَى»([2]))([3]).

الهوامش:
([1]) ك 31 /396-397.
([2]) خ 204 /321.
([3]) لمزيد من الاطلاع ينظر: الأخلاق من نهج البلاغة: الشيخ محسن علي المعلم، العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة، ط1، ص 138-140.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.2452 Seconds