الدنيا في كتاب له (عليه السلام) إلى معاوية

سلسلة قصار الحكم

الدنيا في كتاب له (عليه السلام) إلى معاوية

66 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 30-03-2026

بقلم السيد عبد الحسين الغريفي المشهدي

الحمد لله رب العالمين، ثم الصلاة والسلام على سيّد الخلق أجمعين سيدنا ونبيّنا أبي القاسم المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على اعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

وبعد:
الدنيا في كتاب له إلى معاوية
وَأَرْدَيْتَ جِيلاً مِنَ النَّاسِ كَثِيراً، خَدَعْتَهُمْ بِغَيِّكَ، وَأَلْقَيْتَهُمْ فِي مَوْجٍ بَحْرِكَ ، تَغْشَاهُمُ الظُّلُمَاتُ ، وَتَتَلَاطَمُ بِهِمُ الشُّبُهَاتُ، فَجَازُوا عَنْ وِجْهَتِمْ، وَنَكَصُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ، وَتَوَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ، وَعَوَّلُوا عَلَى أَحْسَابِهِمْ إِلَّا مَنْ فَاءَ مِنْ أَهْلِ الْبَصَائِرِ ، فَإِنَّهُمْ فَارَقُوكَ بَعْدَ مَعْرِفَتِكَ ، وَهَرَبُوا إِلَى اللَّهِ مِنْ مُوَازَرَتِكَ ، إِذْ حَمَلْتَهُمْ عَلَى الصَّعْبِ ، وَعَدَلْتَ بِهِمْ عَنِ الْقَصْدِ، فَاتَّقِ اللَّهَ يَا مُعَاوِيَةُ فِي نَفْسِكَ ، وَجَاذِبِ الشَّيْطَانَ قِيَادَكَ، فَإِنَّ الدُّنْيَا مُنْقَطِعَةٌ عَنْكَ ، وَالْآخِرَةُ قَرِيبَةٌ مِنْكَ، وَالسَّلَامُ([1]).

شرح الألفاظ الغريبة:
أرديت: أهلكت: جيلاً، أي: قبيلاً وصنفاً: الغي: الضلال، ضد الرشاد؛ جازوا: بعدوا؛ وجهتهم: - بكسر الواو - أي جهة قصدهم؛ نكصوا رجعوا عولوا: أي اعتمدوا؛ فاء: رجع، والمراد هنا الرجوع إلى الحق: الموازرة المعاضدة؛ جاذب الشيطان: أي إذا جذبك الشيطان فامنع نفسك من متابعته: القياد: ما تقاد به الدابة([2]).

الشرح:

أول هذا الكتاب: من عبد الله أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان.
أما بعد: فإنّ الدنيا دار تجارة وربحها الآخرة، فالسعيد من كانت بضاعته فيها الأعمال الصالحة، ومن رأى الدنيا بعينها وقدرها بقدرها، وإني لأعظك. مع علمي بسابق العلم فيك مما لا مرد له دون نفاذه، ولكن الله تعالى أخذ على العلماء أن يردوا الأمانة، وأن ينصحوا الغوي والرشيد، فاتق الله ولا تكن ممن لا يرجو لله وقاراً، ومن حقت عليهم كلمة العذاب فإنّ الله بالمرصاد، وأن دنياك ستدبر عنك، وستعود حسرة عليك، فانتبه من الغي والضلال على كبر سنّك وفناء عمرك فإن حالك اليوم كحال الثوب المهيل الذي لا يصلح من جانب إلا فسد من آخر، ثم يتصل به وقد أرديت .. إلى آخر الكتاب ..

في الكتاب مقاصد:
الأول: موعظته وتذكيره بحال الدنيا وكونها دار تجارة والغاية من التجارة فيها إما ربح الآخرة بصلاح البضاعة وهي الأعمال، وإما خسران الآخرة بفسادها.

الثاني: تنبيهه على أن يرى الدنيا بعينها: أي يعرفها بحقيقتها، أو يراها بالعين التي بها تعرف وهي عين البصيرة، ويعلم ما هي عليه من الغير والزوال وأنها خلقت لغيرها ليقدرها بمقدارها ويجعلها في نظره لما خلقت له.

الثالث: نبه على أن الله تعالى علماً لابد من نفاده فيه فإن ما علم الله تعالى وقوعه لابد من وقوعه، وإنما وعظه امتثالاً لأمر الله ووفاء بعهده على العلماء أو تؤدّوا أمانته. وتبلغوا أحكامه! إلى خلقه وأن تنصحوا ضالهم ورشيدهم.

الرابع: أمره بتقوى الله، ونهاه أن يكون ممن لا يرجو لله وقاراً: أي لا يتوقع لله عظمة فيعبده ويطيعه، والوقار: الاسم من التوقير: وهو التعظيم، وقيل: الرجاء هنا بمعنى الخوف فيكون مجازاً إطلاقاً لاسم أحد الضدين على الآخر، وأن يكون ممن حقت عليه كلمة العذاب.
وقوله: «فإن الله بالمرصاد»: تنبيه له على اطلاعه عليه وعلمه بما يفعل ليرتدع عن معصيته.

الخامس: نبّهه على إدبار الدنيا ، وعودها حسرة عليه يوم القيامة فقدها مع عشقه لها، وعدم تمسكه في الآخرة بعصم النجاة، وفناء زاده إليها.

السادس: أمره بالانتباه من رقدة الجهل والضلال على حال كبر سنه وفناء عمره فإن تلك الحال أولى الاحوال بالانتباه منها، ونبّهه على أنه غير قابل للإصلاح في ذلك السن بعد استحكام جهله وتمكن الهيئات البدنية من جوهر نفسه ونهكها له فهو كالثوب الخلق لا يمكن إصلاحه بالخياطة بل كلما خيط من جانب تمزق من آخر .

السابع : أخبره في معرض التوبيخ على ما فعل بأهل الشام من خدعته لهم وإلقائهم في موج بحره، ولما كان خلاله عن دين الله وجهله بما ينبغي هو سبب خدعته لهم نسبها إليه، واستعار لفظ البحر لأحواله وآرائه في طلب الدنيا والانحراف عن طريق الله باعتبار كثرتها وبعد غايتها، ولفظ الموج للشبه التي ألقاها إليهم وغرقهم بها فيما يريد من الأغراض الباطلة، ومشابهتها للموجب في تلعبها بأذهانهم واضطراب أحوالهم بسببها ظاهرة، وكذلك استعار لفظ الظلمات لما حجب أبصار بصائرهم عن إدراك الحق من تلك الشبهات، ولفظ الغشيان لطريانها على قلوبهم وحجبها لها، ومحل تغشاهم نصب على الحال. وكذلك لفظ التلاطم لتلعب تلك الشبهات بعقولهم.

وقوله: «فجازوا»: عطف على ألقيتهم، وأراد أنهم عدلوا عن الحق بسبب ما ألقاه إليهم من الشبه، واعتمدوا في قتالهم على أحسابهم حمية الجاهلية في الذب عن أصولهم ومفاخرهم دون مراعاة الدين والذب عنه إلا من رجع إلى الحق من أهل العقول فإنهم عرفوك وما أنت عليه من الضلال، فارقوك وهربوا إلى الله من مؤازرتك فيما تريده من هدم الدين حين حملتهم على الأرض الصعبة الهادمة له وعدلت بهم عن قصد الحق.
وقد كان استغوى العرب بشبهة قتل عثمان والطلب بدمه، فلما عرف عقلاؤهم والتمسكون بالدين منهم أن ذلك خدعة منه لإرادة الملك فارقوه واعتزلوه.
وقوله: «على أعقابهم، وعلى أدبارهم»: ترشيح لاستعارة لفظي النكوص والتولي من المحسوسين للمعقولين، والاستثناء هنا من الجيل الذين خدعهم، ولفظ الصعب مستعار لما حملهم عليه من الأمور المستصعبة في الدين باعتبار أن ركوبهم لها يستلزم عدولهم عن صراط الله ووقوعهم في مهاوي الهلاك كما يستلزم ركوب الجمل الصعب النفور العدول براكبه عن الطريق وتقحم المهالك، وكذلك لفظ القصد مستعار للطريق المعقول إلى الحق من الطريق المحسوس.
ثم كرر عليه الأمر بتقوى الله، وأن يجاذب الشيطان قياده. واستعار لفظ المجاذبة للممانعة المعقولة، ولفظ القياد لما يقوده به من الآراء الباطلة وكواذب الآمال، وممانعة الشيطان لذلك القياد بتكذيب النفس الأمارة فيما يوسوس به من تلك الآراء.
وقوله: «فإنّ الدنيا ...» إلى آخره تنبيه له على وجوب قطع الآمال الدنيوية لانقطاع الدنيا، وعلى العمل للآخرة بقربها، وهو في قوة صغرى ضميرين تقدير كبرى الأول : وكل ما كان منقطعاً زائلاً وجب أن يقطع الأمل فيه لانقطاعه وتجاذب الشيطان في دعوته إليه، وتقدير كبرى الثاني : وكل ما كان قريباً فينبغي أن يستعد لوصوله بالعمل. وبالله التوفيق([3]))([4]).

الهوامش:
([1]) نهج البلاغة لصبحي صالح : ٤٠٦ / من كتاب له عليه السلام إلى معاوية رقم ٣٢، ونهج الشيخ العطار : ٥٣٩ - ٥٤٠ / من كتاب له عليه السلام إلى معاوية رقم ۳۲ وشرح نهج البلاغة لابن ميثم ٥: ٦٨ من كتاب له عليه السلام رقم ۳۲، ونهج البلاغة لمحمد عبده ٢ ٥٩ من كتاب له عليه السلام إلى معاوية .
([2]) شرح الألفاظ الغريبة : ٦٨٧ - ٦٨٨ .
([3]) شرح نهج البلاغة لابن ميثم: 68-71/ في شرح من كتابه له عليه السلام رقم32.
([4]) لمزيد من الاطلاع ينظر: الدنيا في نهج الإمام علي عليه السلام: السيد عبد الحسين الغريفي، ط: مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة: ص 368-372.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.3801 Seconds