بقلم السيد عبد الحسين الغريفي المشهدي
الحمد لله رب العالمين، ثم الصلاة والسلام على سيّد الخلق أجمعين سيدنا ونبيّنا أبي القاسم المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على اعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.
وبعد:
فَإِنَّكَ جَعَلْتَ دِينَكَ تَبَعاً لِدُنْيَا أَمْرِئٍ ظَاهِرٍ غَيُّهُ، مَهْتُوكَ سِتْرُهُ. يَشِينُ الْكَرِيمَ بِمَجْلِسِهِ، وَيُسَفِّهُ الْحَلِيمَ بِخُلْطَتِهِ، فَاتَّبَعْتَ أَثَرَهُ. وَطَلَبْتَ فَضْلَهُ، اتِّبَاعَ الْكَلْبِ لِلضَّرْغَامِ، يَلُوذُ إِلَى مَخَالِبِهِ. وَيَنْتَظِرُ مَا يُلْقِي إِلَيْهِ مِنْ فَضْلِ فَرِيَسَتِهِ، فَأَذْهَبْتَ دُنْيَاكَ وَآخِرَتَكَ! وَلَوْ بِالْحَقِّ أَخَذْتَ أَدْرَكْتَ مَا طَلَبْتَ، فَإِنْ يُمَكَنِّي اللَّهُ " مِنْكَ وَمِنِ ابْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَجْزِكُمَا بِمَا قَدَّمْتُمَا، وَإِنْ تُعْجِزَا وَتَبْقَيَا فَمَا أَمَامَكُمَا شَرٌّ لَكُمَا، وَالسَّلَامُ)([1]) .
شرح الألفاظ الغريبة:
الضرغام: الأسد؛ إن تعجزا: توقعاني في العجز من أعجزه يعجزه إعجازاً، والمراد أن تعجزاني على الإيقاع بكما فأما مكما حساب الله)([2]) .
الشرح:
قد ذكر هذا الكتاب برواية تزيد على هذه، وأوّله: «من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى الأبتر ابن الأبتر عمرو بن العاص شانئ محمّد وآل محمّد في الجاهلية والإسلام سلام على من اتبع الهدى.
أمّا بعد: فإنك تركت مروّتك لامرء فاسق مهتوك ستره يشين الكريم بمجلسه ويسفه الحليم بخلطته، فصار قلبك لقلبه تبعاً كما وافق شنٌّ طبقه، فسلبك دينك وأمانتك ودنياك وآخرتك وكان علم الله بالغاً فيك ، فصرت كالذئب يتبع الضرغام إذ ما الليل دجى يلتمس أن يداوسه، وكيف ينجو من القدر ولو بالحق طلبت أدركت ما رجوت، وقد يرشد من كان قائده، فإن يمكني الله منك ومن ابن آكلة الأكباد الحقكما بمن قتله الله من ظلمة قريش على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإن تعجزا أو تبقيا بعدي فالله حسبكما وكفى بانتقامه انتقاماً وبعقابه عقاباً.
ومدار الكتاب على توبيخ عمرو بمتابعته لمعاوية في باطله وتنفيره عما هو عليه ووعيده لهما على ذلك، ومعنى جعله دينه تبعاً لدنيا معاوية أنه يصرفه في مرضاته بحسب ما يتصور حصوله عليه من دنياه كما أشرنا إليه قبل من بيعه دينه في المظاهرة على حربه (عليه السلام) بطعمة مصر، ثم ذم معاوية بأوصاف أربعة لغاية التنفير عنه:
أحدها: كونه ظاهراً غيه، وضلال معاوية عن طريق الله أوضح أن يوضح.
الثاني: كونه مهتوكًا ستره، ومن المشهور عنه أنه كان هاتكًا لستر دين الله عنه فإنه كان كثير الخلاعة به والهزل صاحب سمار وجلساء لهو ومناع وشرب وسماع وقد كان يتستر بذلك في زمن عمر خوفاً منه إلا أنه كان يلبس الحرير والديباج ويشرب في آنية الذهب والفضة.
وأما في أيام عثمان فكان شديد التهتك، وإنما قارب الوقار حيث خرج على علي (عليه السلام) لحاجته إلى استغواء الناس بظاهر الدين.
الثالث: يشين الكريم بمجلسه، وذاك أن الكريم هو الذي يضبط نفسه وينزهها عما يشين العرض من الرذائل، وقد كان مجلس معاوية مشحوناً ببني أمية ورذائلهم، ومجالسة الكريم لهم يستلزم نسبته إليهم ولحاقه بهم، وذلك مشين لعرضه ومقبح لذكره.
الرابع: كونه يسفّه الحليم بخلطته وذلك أنه كان دأبه هو وبنو أمية شتم بني هاشم وقذفهم والتعرض بذكر الإسلام والطعن عليه، وإن أظهروا الانتماء إليه، وذلك مما يستفز الحليم ويسفه رأيه في الثبات عند مخالطتهم وسماعه منهم، وكنى باتباعه لأثره عن متابعته له فيما يفعله، وأشار بقوله: وطلبت فضله إلى غرض اتباعه، وشبّه له باتباع الكلب الأسد تحقيراً له وتنفيراً، ونبهه على وجه الشبه بقوله: (يلوذ) إلى قوله : «فريسته»، وأراد أن اتباعة له على وجه الذلة والحفارة ودناءة الهمّة للطمع فيما يعطيه من فضل ماله وانتظار ذلك منه كاتباع الكلب للأسد. وفي مثل هذا التشبيه بلاغ لعمرو في التنفير لو كان له كرم.
تم نبهه على لازم اتباعه له بقوله: (فأذهبت دنياك وآخرتك)، وأراد بدنياه ما كان يعيش به من الرزق والعطاء الحلال على وجه يلتذ به في طيب نفس وأمن من الحروب التي تفيها بصفين والأهوال التي باشرها في موافقته لمعاوية، وتلك هي الدنيا الحقة: إذ الدنيا إنما يراد للذة بها والاستمتاع، وذلك مما لم يحصل عليه عمرو. وأما ذهاب آخرته فظاهر.
وقوله: (ولو بالحق أخذت...) إلى قوله: «طلبت»: جذب له إلى لزوم الحق وترغيب فيه بذكر لازمه، وهو إدراك ما طلب من دنيا وآخرة، وظاهر أنه لو لزم الحق لوصل إلى دنيا كاملة وآخرة بالمعالي كافلة.
وقوله: (فإن يمكنّي الله ...) إلى آخره:
وعبر بعذاب واقع على تقدير كل واحد من النقيضين وذلك العذاب إما بواسطته في الدنيا بتقدير تمكين الله منهما وهو جزائه لهما بما قدما من معصية الله، وإما من الله في الآخرة على تقدير أن يعجزاه وتبقيا بعده وهو عذاب النار، ونبه عليه بقوله:
(فما أمامكما شرّ لكناء) لقوله تعالى: (وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وأبقى)([3]) واستعار لفظ الأمام للآخرة باعتبار استقبال النفوس لها وتوجهها نحوها، وبالله التوفيق)([4]).
الهوامش:
([1]) نهج البلاغة لصبحي صالح: ٤١١ - ٤١٢ من كتاب له عليه السلام إلى عمرو العاص رقم ٣٩، ونهج الشيخ العطار: ٥٤٦ / من كتاب له عليه السلام رقم ٣٩، وشرح النهج لابن ميثم ٥: ٨٥ / من كتاب له عليه السلام رقم ۳۹، ونهج الشيخ محمد عبده ٢: ٦٦ من كتاب له عليه السلام، وليس فيه (والسلام).
([2]) شرح الألفاظ الغربية: ٦٩٠.
([3]) طه: 127.
([4]) لمزيد من الاطلاع ينظر: الدنيا في نهج الإمام علي عليه السلام: السيد عبد الحسين الغريفي، ط: مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة: ص 375-379.