مواقف صحابة الإمام علي (عليه السلام) بوجه السلاطين - أبو الاسود الدؤلي أنموذجا

علي ومعاصروه

مواقف صحابة الإمام علي (عليه السلام) بوجه السلاطين - أبو الاسود الدؤلي أنموذجا

330 مشاهدة

بقلم: م.م خلود حامد الياسري
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلق الله محمد وآله الطيبين الطاهرين، وبعد..
لم يكن صحابة الإمام علي (عليه السلام) يثنهم عن الحق شيء كلوم لائم أو خوف سلطان، وقد أراد معاوية امتحان قلوب بعض رجال الإمام علي (عليه السلام) وتلامذته، فكان يرسل إليهم ويحاول استمالتهم، وممَّن أرسل إليهم أبو الأسود الدؤلي.
وأبو الأسود اسمه: ((ظالم بن عمرو بن سفيان بن عمرو بن خلس بْنِ يَعْمَرَ بْنِ نُفَاثَةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الدئل بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، وكان شاعرًا متشيعًا، وكان ثقة في حديثه))([1])، و((مَأْمُونا عَالما يرْوى عَنهُ الْفِقْه))([2])، وقد ((صحب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب [عليه السلام]، وكان من المشهورين بصحبته ومحبته ومحبة أهل بيته))([3])، أَسْلَمَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله)، وقاتل يَوْمَ الجَمَلِ مَعَ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام)، وَكَانَ مِنْ وُجُوْهِ الشِّيْعَةِ، وَمِنْ أَكْمَلِهِم عَقْلاً، وَرَأْياً([4])
ومن هذا الرصيد الذي يمتلكه أبو الأسود أشار عمرو بن العاص على معاوية أن يقرب أبا الأسود الدؤلي ليتقي لسانه بين الناس .
فأرسل معاوية إلى أبي الأسود فجاءه، فقال معاوية: خلوت أنا وعمرو وتناجزنا في أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) وقد أحببت أن أكون من رأيك على يقين. قال: سَل عما بدا لك. فقال معاوية: يا أبا الأسود أيهم كان أحب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ فقال: أشدهم حباً لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وأوقاهم له بنفسه، فنظر معاوية إلى عمرو وحرك رأسهُ ثم قال فأيهم كان افضل عندك؟ قال: أتقاهم لربه، وأشدهم خوفاً لدينه. فاغتاظ معاوية على عمرو، ثم قال: فأيهم كان أعلم؟ قال: أقولهم للصواب، وأفضلهم للخطاب. قال معاوية: فأيهم كان أشجع؟ قال: أعظمهم بلاءً وأحسنهم عفاءً وأصبرهم على اللقاء، قال معاوية: فأيهم كان أوثق عنده؟ قال: من أوصى إليه فيما بعده، فأقبل معاوية على عمرو وقال: لا جزاك الله خيراً، هل تستطيع أن ترد مما قال شيئاً؟ فقال أبو الأسود: إني قد عرفت من أين أتيت فهل تأذن لي فيه. قال: نعم، فقال أبو الأسود، إن عمرو هجا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأبيات، فقال رسول الله  (صلى الله عليه وآله) اللهم إني لا أحسن قول الشعر فالعن عمرو بكل بيت لعنة، أتراه بعد هذا نائلاً فلاحاً، أو مدركاً رباحاً؟ فهدده عمرو وتوعده، فخرج أبو الأسود غير مبالٍ به وهو ينشد[5]:

ألا إن عمــرو رام ليــثاً خفيةً               وكيف ينال الكلب ليث عرين

وقال معاوية يوماً لأبي الأسود: بلغني أن علياً، أراد أن يجعلك أحد الحكمين (بدلاً من أبي موسى) فما كنت تحكم؟ قال: لو جعلني أحدهما لجعلت ألفاً من المهاجرين وأبنائهم وألفاً من الأنصار وأبنائهم، ثم ناشدتهم الله أعليٌ أولى بهذا الأمر؟ أم الطلقاء؟، فقال معاوية: لله أبوك أي حكم أنت؟[6]، وسأله زياد يوماً عند معاوية: يا أبا الأسود كيف حبك لعلي؟ قال حباً يزداد له شدةً كما يزداد بغضك له شدة، وتزداد لمعاوية حُباً، وأيم الله إني لأريد بذلك الآخرة وما عند الله، وإنك تريد الدنيا وزخرفها، وذلك عنك زائل بعد قليل، فقال له زياد ؛ أنت شيخ قد خرفت، فقال أبو الأسود[7]:

غضب الأمير بأن صَدقتُ وربما           غضب الأمير على البريء المسلم

اللـه يعلم أن حبي صادق               لبني النبـــــي وللوحـي الأكرم

ثم قال:

مـاذا تقولون إن قال النبي لكــــــم       مــــاذا فـعلـتُـم وانتــــم اخـــــر الامـــــــــم

بأهل بيـتي وانصاري ومحرمتــــــي     منهـم أُسارى وقتـلى ضرجوا بــــــــــــدم

ما كان هذا جزائي ان نصحت لكم                         أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي([8])

هكذا كان أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يهابون معاوية ومن معه، تراهم أشداء حتى في الرد على كلامه، ثابتين على الحق الذي علمهم إياه أمير المؤمنين (عليه السلام)، والحمد لله رب العالمين([9]).

الهوامش:
([1]) ابن سعد، الطبقات الكبرى: 7/69 .
([2]) ابن سلَّام الجمحي، طبقات فحول الشعراء: 1/13 .
([3]) أبو البركات، كمال الدين الأنباري، نزهة الألباء في طبقات الأدباء: 19 .
([4]) الذهبي، سير أعلام النبلاء: 4/82 .
[5] ينظر: ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، 7/104 – 106؛ الاميني، الغدير، 2/147 – 148؛ الميانجي، مواقف الشيعة، 2/381 – 384؛ الشاكري، الأعلام من الصحابة والتابعين، 1/108.
[6] ينظر: ابن عبد ربه، العقد الفريد، 4/319-324؛ ابن الدمشقي، شمس الدين أبو البركات (ت871هـ/1466م): جواهر المطالب في مناقب الإمام علي بن أبي طالب، قم (ط1- 1996)، 2/53- 54؛ السيوطي، تاريخ الخلفاء، تحقيق محمد محي الدين، مصر، مطبعة السعادة (ط1 -1963)، 201.
[7] الجاحظ، البيان والتبيين: 1/203؛ ابن العماد، شذرات الذهب؛ 1/59؛ ابن عبد البر، الاستيعاب، 1/193؛ القمي، الكنى والالقاب،1/9- 12؛ المرزباني الخرساني(ت384هـ/1994م)، مختصر اختيار الشيعة، تحقيق محمد هادي الامين، بيروت- الكتبي للطباعة (ط2- 1993)، 2/32؛ الميانجي، مواقف الشيعة، 2/411.
([8]) ينظر، ابن ابي الحديد، شرح نهج البلاغة، 17/114؛ المحمودي، نهج السعادة، 2/48؛ حسين الشاكري، علي في الكتاب والادب والسنه، تحقيق فرات الاسدي (ط1- 1998) ، 5/437؛ هاشم البحراني (ت1107ه/1695م): حلية الأبرار، تحقيق غلام رضا، قم- مؤسسة المعارف الإسلامية (ط1- 1994)، 2/233.
([9]) هذه المقالة مستقاة من كتاب صحابة الإمام علي (عليه السلام) وأثرهم في حياة المسلمين العامة، د خلود حامد الياسري، دار الوارث، ط1، طبع برعاية العتبة الحسينية المقدَّسة .

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1053 Seconds