بقلم: الدكتور مصطفى كاظم شغيدل
الحمد لله الذي صدقنا وعده هي مقالة المتقين، وصلى الله على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين.
وبعد:
امتازت الخطبة المونقة لأمير المؤمنين عليه السلام والتي تسمى أيضا بـ(الخطبة الخالية من الألف) بكثرة الأفعال فيها، إذ وصلت إلى (170) فعل، فضلاً عما جاء مكرراً وبصيغة مختلفة؛ وهذه الخطبة مع أنها قيلت في موضع التندر لخلوها من الألف، غير أنها لم تكن خالية من الفكر بمختلف أبعاده، وهو على النحو الآتي:
تدلُّ مادَّة (نُسِيَ) في اللُّغة على ترك الشَّيء، وإغفاله، والنِّسيان، وهي خلاف الذِّكر الحفظ. جاء في (العين): «نَسِيَ فلان شيئاً كان يذكره، وإنَّه لَنَسِيٌّ، أَيْ: كثير النِّسيان، من قوله ــ جلَّ وعزَّ ــ: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا)([1]). والنَّسِيُّ: الشَّيء المَنْسِيُّ الَّذي لا يذكر... ونَسِيْتُ الحديث نسياً. ويُقال: أَنْسَيْتُ إنساءً، ونَسِيْتُ أَجود؛ قال الله تعالى: (فَإِنــِّي نَسِيتُ الْحُوتَ)([2])، ولم يقل: أَنسيتُ... » ([3]).
وقال ابن فارس: «النُّون والسِّين والياء أَصلان صحيحان: يدلُّ أَحدهما على إغفال الشَّيء، والثــَّاني: على ترك شيء. فالأَوَّل نَسِيْتُ الشَّيء، إذا لم تذكره نِسياناً»([4]).
وقال الجوهريّ: «والنِّسيان: خلاف الذِّكر والحفظ... وقد نَسِيْتُ الشَّيء نسياناً... وأَنسانيه الله ونسَّانيه تَنْسِيَةً بمعنى. وتناساه: أَرى من نفسه أَنــَّه نَسِيَهُ. والنِّسيان: التَّرك، قال الله تعالى: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ)([5])، وقال تعالى: (وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ)([6])» ([7]).
وتطابقت دلالة الفعل (نُسِيَ) في الخطبة مع دلالة اللُّغوية؛ إذ جاء به أَمير المؤمنين (عليه السلام) مرَّةً واحدة في بيان حال الإنسان الميِّت بعد أَنْ يُوضع في قبره، فقال (عليه السلام): «فَجُعِلَ فِيْ ضَرِيْحٍ مَلْحُوْدٍ، وَلَحْدٍ ضَيِّقٍ مَرْصُوْصٍ، بِلِبْنٍ مَنْضُوْدٍ، مُسَقَّفٍ بِجُلْمُوْدٍ، وهِيْلَ عَلَيْهِ عَفْرُهُ، وَحُثِيَ عَلَيْهِ مَدَرُهُ، فَتَحقَّقَ حِذْرُهُ، وَنُسِيَ خَبَرُهُ).
و(نُسِيَ) فعل ماضٍ مبنيٌّ للمجهول، مبنيٌّ على الفتح، و(خبره) نائب فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضَّمَّة الظَّاهرة على آخره، وهو مضاف، والباء: ضمير متَّصل مبنيٌّ على الضَّمِّ في محلِّ جرٍّ بالإضافة، عائد إلى (من جذبت نفسه)، وجملة (ونُسي خبره) معطوفة على جملة (فتحقَّق حذرهُ))([8]).
الهوامش:
([1]). مريم: 64.
([2]). الكهف: 63.
([3]). العين: 2/74. وينظر: المحيط في اللغة: 2/278، والمصباح المنير: 9/287، والقاموس المحيط: 3/480.
([4]). معجم مقاييس اللغة: 5/337.
([5]). التوبة: 67.
([6]). البقرة: 237.
([7]). الصحاح في اللغة: 2/207. وينظر: تهذيب اللغة: 4/32، ومفردات ألفاظ القرآن: 803 و804، ولسان العرب: 15/321، وتاج العروس: 1/8622 و8623.
([8]) لمزيد من الاطلاع ينظر: الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام بين الدلالة المعجمية والاستعمال الوظيفي: للدكتور مصطفى كاظم شغيدل، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص246-247.