حب الأوطان في فكر الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام)

مقالات وبحوث

حب الأوطان في فكر الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام)

13K مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 26-12-2019

الباحث: محمد حمزة الخفاجي
الْحَمْدُ لله الأَوَّلِ فَلَا شَيْءَ قَبْلَه، والآخِرِ فَلَا شَيْءَ بَعْدَه، والظَّاهِرِ فَلَا شَيْءَ فَوْقَه، والْبَاطِنِ فَلَا شَيْءَ دُونَه . . .
أما بعد . . .
فإن حب الأوطان دليل على الايمان[1]، وما عمرت البلدان إلا بحب الأوطان، هذا ما صرح به ولي الرحمن، وإمام الأنس والجان، أمير المؤمنين، إذ قال (عليه السلام): (عمرت البلدان بحب الأوطان)[2].
وإن الدول التي تعمر بلدانها وتخطط لصلاحها، وتستعد لمواجهة أي خطر قد يحدث لبلادها هي الدول التي تحب أوطانها، والعكس من ذلك الذين يخربون بلادهم ويكونوا عملاءً وجواسيس لأجل مصالحهم الشخصية، فمثل هؤلاء لا إيمان لهم ولا شرف.
والمؤمنون المحبون لبلدانهم، تجدهم سعداء مهما كان حال بلادهم فهم متعايشون معه في سلمه وحربه وإذا ابتعدوا عنه حنوا إليه، فعنه (عليه السَّلَام) قال: (من كرم المرء بكاؤه على ما مضى من زمانه، وحنينه إلى أوطانه، وحفظه قديم إخوانه)[3].
وكان رسول الله ( صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ) يحب مكّة التي وُلِدَ فيها وترعرع، وكان من أشد المدافعين عن حرم الله تعالى، ولولا أنّه أخرج منها قهراً لعاش فيها ما حيا، فعن عبد الله بن عدي بن الحمراء قال: رأيت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلم) واقفًا على الحزورة فقال: (والله إنك لخير أرض الله و أحب أرض الله إلى الله و لولا إني أخرجت منك ما خرجت)[4].
وكان أمير المؤمنين (عليه السَّلَام)،  في حكومته من أكثر المدافعين عن بلاده، وقد شهدوا قتاله ودفاعه عن دياره، وكان (عليه السَّلَام)، كثيرا ما يستنهض الناس لمواجهة الطامعين فمن كلام له في استنهاض الناس قال (عليه السَّلَام): (أَلَا وإِنِّي قَدْ دَعَوْتُكُمْ إِلَى قِتَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، لَيْلًا ونَهَاراً وسِرّاً وإِعْلَاناً، وقُلْتُ لَكُمُ اغْزُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَغْزُوكُمْ، فَوَالله مَا غُزِيَ قَوْمٌ قَطُّ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إِلَّا ذَلُّوا، فَتَوَاكَلْتُمْ وتَخَاذَلْتُمْ، حَتَّى شُنَّتْ عَلَيْكُمُ الْغَارَاتُ، ومُلِكَتْ عَلَيْكُمُ الأَوْطَانُ)[5].
وكل ذلك دليل على إيمانه وحبه لموطنه، وهذا ما تربى عليه فكان أجداده(عليهم السلام)، من حماة حرم الله وممن دافعوا عن حرمة الكعبة، لذا نالوا شرف الرياسة والسّيادة وكان أبوه أبو طالب (عليه السَّلَام) يلقب بسيد البطحاء.
فهؤلاء هم ساداتنا وقاداتنا الذين بهم عمر الله البلاد، لذا كان من الواجب أن نتخذهم أسوة لنا لنحيا سعداء ونعيش أحراراً  في وطن يعم فيه الأمن والأمان.
جاء في تاريخ اليعقوبي: (كان لكل واحد من ولد عبد المطلب شرف وذكر وفضل وقدر ومجد. وحج عامر بن مالك ملاعب الأسنة البيت فقال: رجال كأنهم جمال جون، فقال: بهؤلاء تمنع مكة. وحج أكثم بن صيفي في ناس من بني تميم فرآهم يخترقون البطحاء كأنّهم أبرجة الفضة يلحقون الأرض جيرانهم، فقال: يا بني تميم إذا أحب الله أن ينشئ دولة نبت لها مثل هؤلاء، هؤلاء غرس الله لا غرس الرجال)[6].
فبهؤلاء الرجال تبنى البلدان وتعمر حيث الإيمان والشجاعة والكرم والنبل.
وختاماً نسأل الله (عز وجل) أن يعمر بلدنا بأناس أخيار مؤمنون يعرفون حرمة هذا البلد الذي جعله الله سبحانه محل نزول البركات، حيث القبب الزاهرات من أَئِمّة عظام وشهداء كرام.
الهوامش:
[1] - روي : حب الوطن من الإيمان (مستدرك سفينة البحار: 1 / 72).
[2] - تحف العقول: 207.
[3] - بحار الأنوار، العلاَّمة المجلسي: 71 / 264.
[4] - ينظر: ميزان الحكمة: 4/ 3566.
[5] - نهج البلاغة، الخطبة: 27، يستنهض بها الناس: 69.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1627 Seconds