الاستعارة في نهج البلاغة (رِيحاً اعْتَقَمَ مَهَبَّهَا) أنموذجا.

أثر نهج البلاغة في اللغة والادب

الاستعارة في نهج البلاغة (رِيحاً اعْتَقَمَ مَهَبَّهَا) أنموذجا.

879 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 01-03-2021

الباحث: م. م علي عباس فاضل

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير الخلق أجمعين أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين، وبعد

تمثل الاستعارة حقلا واسعا من حقول البلاغة العربية، وهي في اللغة مصدر الفعل السداسي استعار, و(( تَعَوَّرَ واستعار: طلب العارية. واستعاره الشيء واستعاره منه: طلب منه أن يعيره إياه...وأما العارية والإعارة والاستعارة فإن قول العرب فيها: هم يتعاورون العواريَّ ويتعوَّرونها- بالواو - كأنّهم أرادوا تفرقة بين ما يتردد من ذات نفسه وبين ما يُردَّد. قال: والعارية منسوبة إلى العارة، وهو اسم من الإعارة. تقول: أَعرْتُه الشيءَ أُعيرُهُ إعارةً وعارةً... ويقال: استعرتُ منه عارية فأعارنيها))([1]).

أمّا في الاصطلاح فهي أنْ تريدَ تشبيه الشيء وتظهره وتجيء إلى اسم المشبه به فَتُعِيرُه المشبه وتجريه عليه([2])، وقد عرفها السكاكي بقوله: (( هي أنْ تذكرَ أحد طرفي التشبيه, وتريد به الطرف الآخر مدعيًا دخول المشبه في جنس المشبه به دالًا علــــى ذلك بإثباتك للمشبه ما يخص المشبه به))([3])، وذكرها الشريف الجرجاني في تعريفاته على أنها ((ادِّعاء معنى الحقيقة في الشيء للمبالغة في التشبيه مع طَرْح ذكر المشبه من البَيْن))([4])، ويرى (جورج لايكون) ((أنّ الاستعارة لا ترتبط باللغة أو بالألفاظ بل على عكس ذلك, فسيرورات الفكر البشري هي التي تعد استعارية في جزء كبير منها, وهذا ما نعنيه حين نقول إنّ النسق التصوري البشـري مبني ومحــدد استعاريَّا, فالاستعارات في اللغة ليست ممـكنة إلّا لأنّ هنــاك استعــارات فــي النسق التصوري لكل منها))([5]). ومن الاستعارات التي وردت في خطب نهج البلاغة قوله (عليه السلام) في خطبة يذكر فيها ابتداء خَلْق السماء والأرض وخَلْق آدم: ((ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ رِيحاً اعْتَقَمَ مَهَبَّهَا، وَأَدَامَ مُرَبَّهَا، وَأَعْصَفَ مَجْرَاها، وَأَبْعَدَ مَنْشَأهَا، فَأَمَرَها بِتَصْفِيقِ المَاءِ الزَّخَّارِ، وَإِثَارَةِ مَوْجِ البِحَارِ))([6]).

ويظهر الاستعارة في قوله (عليه السلام): (اعتقمَ مهبَّها), هو موضع الشاهد وفيه دلالات مختلفة, فالاعتقام ليس للريح؛ لأنّه من ((عقم العَقْمُ والعُقْمُ، بالفتح والضم: هَزْمةٌ تقعُ في الرَّحِم فلا تَقْبَلُ الولدَ. وعَقُمَت إذا لم تَحْمِلْ فهي عَقِيمٌ))([7])، والمهب وهو المنطلق الذي تنطلق منه الريح؛ فالاعتقام للمرأة كما دلَّ عليه المعنى الظاهري, وليس لمهبِّ الريح، وعند النظر إلى التقارب الموجود بين المرأة والريح في قصد الإمام (عليه السلام) جعله يشبِّه الريح بالمرأة مستعيرًا([8]) إحدى صفات المرأة (عدم حملها) للريح للوصول إلى الغاية التي يقصدها المتكلم ويريد إيصالها للمخاطب بالصورة التي يراها مناسبة لفهم المخاطب، ويعتمد أيضًا على مدى معرفة المخاطب في هذا المقام فتتكون لديه المعلومة كاملة كما قصدها المتكلم، ووجه الشبه أن الريح العقيم هي الخالية من السحب التي تؤدي بها إلى نزول المطر ومن ثم فهي لا تلقح سحاباً ولا شجراً ثم وصفها (عليه السلام) بملازمتها للماء وعدم انفصالها([9])، لأن ((الكلمات لا معنى لها على الإطلاق خارج مكـانها في النـظم, يقـول القـائل عندما استـعمل كلمة يكون معناها هـو الذي أختاره لها فقط لا أكثر, ولا أقل))([10]), وعليه اختلفت المعلومات التي تحملها تلك الألفاظ مما جعلها تؤدي إسهامًا أكثر للمتكلم في عملية التخاطب, وأوصل مقاصده إلى المخاطب الذي فهمها عن طريق ما لديه من معلومات سابقة تمكنه من ذلك. والحمد لله رب العالمين.

الهوامش:


([1]) لسان العرب, (عور): مج 4/3168.

([2]) ينظر: دلائل الإعجاز:67.

([3]) مفتاح العلوم, السكاكي: 369.

 ([4]) معجم التعريفات : 20.

([5]) الاستعارات التي نحيا بها, جورج لايكوف و مارك جونسن: 23.

 ([6]) نهج البلاغة، تحقيق: قيس بهجت العطّار: 70- 71.

([7]) لسان العرب (عقم): 4/ 3050 ـ 3051.

([8]) يقول الزمخشري في أساس البلاغة: 1/671  " ومن المستعار ريح عقيم ".            

([9]) ينظر: نفحات الولاية شرح عصري جامع لنهج البلاغة, الشيخ ناصر مكارم الشيرازي: 1/ 87 ـ 88.

([10]) دور الكلمة في اللغة: أولمان: 55 .

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1565 Seconds