من الفكر السياسي عند الإمام علي (عليه السلام): طريق انعقاد الإمامة - الحلقة الثالثة

مقالات وبحوث

من الفكر السياسي عند الإمام علي (عليه السلام): طريق انعقاد الإمامة - الحلقة الثالثة

883 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 15-04-2021

بقلم: د. جليل منصور العريَّض – الجامعة الأولى/ تونس

الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم والثناء بما قدم والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطاهرين.
وبعد:
يبدو التناسق في الربط بين النبوة والولاية في فكر علي عليه السلام من خلال محاولة تجسيده لمنزلة آل البيت عليهم السلام الدينية بتبيان علاقتهم الروحية بالرسول صلى الله عليه وآله وما لذلك من تأثير على المكلفين من حيث السعادة والشقاء في الدنيا والاخرة.
من خلال تنسيق النصوص المتعلقة بآل البيت عليهم السلام في (نهج البلاغة) يمكننا ادراك الرابط الوشيج بين الرسالة والولاية في تفكير علي عليه السلام، فعلى الرغم من كثرة تلك النصوص[1]، وتعدد مناسباتها، الا انه بالإمكان تشكيلها في وحدة متكاملة من حيث السياق الفكري، من ذلك على سبيل المثال قوله «اعلموا انكم لن تعرفوا الرشد حتى تعرفوا الذي تركه، ولن تأخذوا بميثاق الكتاب حتى تعرفوا الذي نقضه، ولن تمسكوا به حتى تعرفوا الذي نبذه، فالتمسوه عند أهله، فانهم عيش العلم، وموت الجهل، هم الذين يخبركم حكمهم عن علمهم وصمتهم عن منطقهم»[2]، فهو يعني نفسه وآل البيت عليهم السلام من ولده بحيث يمكن متابعة السياق في قوله «نحن شجرة النبوة، ومحط الرسالة، ومختلف الملائكة، ومعادن العلم، وينابيع الحكم، ناصرنا ينتظر الرحمة، وعدونا ومبغضنا ينتظر السطوة»[3] لأن الله سبحانه قد «خلق فينا راية الحق، من تقدمها مرق، ومن تخلف عنها زهق، ومن لزمها لحق... الا ان مثل ال محمد صلى الله عليه وآله كمثل نجوم السماء، إذا خوى نجم طلع نجم، فكأنكم قد تكاملت من الله فيكم الصنائع واراكم ما كنتم تاملون»[4]. فالتفاوت بين موسيقى النصوص بين هدوء وصخب، وتعدد مناحيها وتباعد مناسباتها لا يحول بيننا وبين ادراجها في سياق واحد، تمثل خلاصته الفكرية ان حق قيادة الناس وهدايتهم، يجب ان تنحصرـ من بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ـ في آل بيته عليهم السلام من دون سواهم حتى قيام الساعة، لتميزهم عن الخلق بالعلم الواسع المتطابق وشريعة الله المنزلة على محمد صلى الله عليه وآله، فإذا ما حولنا الربط بين قول علي بالوصية والولاية، وبين المنزلة الدينية التي خص بها آل البيت عليهم السلام من دون غيرهم من سائر المسلمين ـ فيما أثر عنه من اقوال ـ فسنجد ان ذلك الفكر مبني علي ان الإمامة قد كان النص عليها في آل البيت عليهم السلام من قبل وفاة النبي صلى الله عليه وآله فلم يكن يمر في روع علي عليه السلام أو يخطر على باله «ان العرب تزعج هذا الأمر بعده صلى الله عليه وآله عن أهل بيته»[5].
فإذا كان الكميت (ت126) أول من تكلم في الإمامة وفصل القول فيها في هاشمياته[6]وان عيسى بن روضة (ت158) أول من ناظر في الإمامة[7] وان أول من «الف في ذلك علي بن اسماعيل بن ميثم»[8]، المعاصر لواصل بن عطاء (ت131)[9] فإن جميع أولئك على ما نعتقد لم يبدأوا من فراغ ـ اقوالهم في الإمامة وتفريعاتها لأن الخطب والرسائل والعهود والكلمات القصار التي أثرت عن علي عليه السلام ـ وكان كل أولئك قريبي عهد بها ـ كانت بمثابة الزاد الفكري الذي مهد لهم الطريق وفتق لهم الكلام. فقد رأينا من اشلاء الخطب والرسائل التي وصلتنا ضمن (نهج البلاغة) كيف طرح علي عليه السلام قضية الإمامة التي ما فتئ يكرر حقه وحق آل بيته عليهم السلام فيها، طوال عهده وعهد مَن قبله، مما يجعلنا نرجح بأن البراهين الكلامية التي بنى عليها الشيعة نظريتهم في الإمامة قد كانت وليدة عصر صدر الإسلام، حيث وضع أسسها الفكرية علي بن أبي طالب عليه السلام، ثم جاء من بعده متكلمو الشيعة وبسطوا القول فيها، مقتفين اثره، مما يجعلنا نرفض ما قال به جولد سهير من تأثر الشيعة بفكر المعتزلة[10]، في هذا المجال.
واذا كان علي عليه السلام يعتقد بأحقيته في الإمامة التي أقصي عنها فلا بد ان يكون له موقف فكري محدد تجاه أولئك الذين حالوا بينه وبين ممارسة حقه، وهذا ما سنحاول تتبعه من خلال نصوص نهج البلاغة التي عرضت لذلك.[11].

 الهوامش:
[1] بلغ عدد النصوص التي وردت في ذكر آل البيت عليهم السلام في نهج البلاغة خمسة عشر نصاً ـ من الخطب 2، 4، 92، 95، 98، 142، 145، 150، 152، 187، 188، 237، والحكمة 137، هذا ما عدا ما ورد في ثنايا الرسائل متفرقا.
[2] خطب ـ 147 فقرة 3.
[3] السابق 108 فقرة 3.
[4] السابق 99، فقرة 6.
[5] رسائل 62، فقرة 1.
[6] جاء عند السيوطي ـ في شرح شواهد المغني 1/28 عن الكميت «كان جدلاً، وهو أول من ناظر في التشيع».
[7] عيسى بن روضة التابعي مولى بني هاشم صاحب أبي جعفر العباسي(ت158) أول من صنف في علم الكلام. له كتاب في الإمامة، وبقي إلى عصر أبي جعفر العباسي، لم أعثر على سنة وفاته ـ اعيان الشيعة 8/383.
[8] ابن النديم ـ الفهرست ص 323.
[9] راجع ترجمته في السابق، ص 202.
[10] يقول جولد سهير في كتاب العقيدة والشريعة ص 200 «مما يسترعي النظر ان علم الكلام الشيعي يتجه بصفة خاصة نحو المعتزلة، لأنه يستند فيما يسوقونه من براهين لتاييد نظرية الإمامة على قواعد اعتزالية بحته، فالحاجة إلى وجود امام لكل عصر، وما يجب ان تمتاز به هذه الشخصية من عصمة وقداسة، وقد ربطها الشيعةلا شك في طابعها الاعتزالي»، وقد سقنا من النصوص المأثوة عن علي عليه السلام في مواطنها من هذا الفصل ما يؤيد مقولة الشيعة من غير تاثيرات خارجية. علما بأن المهدي كاعتقاد موجود عند جميع الفرق الإسلامية  راجع ا لفتح الرباني لترتيب مسند أحمد بن حنبل 24/49 وما بعدها، بذل المجهود في حل أبي داود 17/190 وما بعدها، فضائل الخمسة في الصحاح الستة 3/398 وما بعدها. والاختلاف حول المهدي المنتظر عند الفرق الإسلامية ليس في وجود كمعتقد، بل فيكيفية وجود المهدي. إذ بينما يقول السنة وغيرهم من الفرق الإسلامية بأنه لم يخلق بعد ويغلق متى شاء الله، يعتقد الشيعة الإمامية بأنه امامهم الثاني عشر الذي غاب عن الأنظار وسيظهر في اخر الزمان فأصل عقيدة المهدي مأخوذة من الاحاديث النبوية الشريفة ولا دخل في تأثر الشيعة بالمعتزلة في اثباتها بالحجج الكلامية.
[11] لمزيد من الاطلاع ينظر: فكر الإمام علي عليه السلام كما يبدو في نهج البلاغة: للدكتور خليل منصور العريّض، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص 191 – 193.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1648 Seconds