من شواهد تحقق الوعي الفردي عند عبد الله بن عباس عبر مقبولية النص في تولية الإمام علي للحسن والحسين (عليهم السلام) على أمواله.

آل علي عليهم السلام

من شواهد تحقق الوعي الفردي عند عبد الله بن عباس عبر مقبولية النص في تولية الإمام علي للحسن والحسين (عليهم السلام) على أمواله.

644 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 09-12-2021

بقلم السيد: نبيل الحسني الكربلائي

الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم والثناء بما قدّم من عموم نِعَمٍ ابتدأها وسبوغ آلاء أسداها والصلاة والسلام على حبيبه المنتجب ورسوله المصطفى أبي القاسم محمد وعلى آله أساس الدين وعماد اليقين.

وبعد:
تظهر القوة الانجازية للنص الشريف في تولية الإمام علي للحسن والحسين(عليهم السلام) على أمواله وموقوفاته عبر تفاعل المتلقي مع النص، فبه -أي بهذا المتلقي وتفاعله- تتجلى قصدية النص الشريف في هذه التولية وقدرته على تحقيق ما ابتغاه منتج النص(عليه السلام) من جهة أو ما حققه النص من فاعلية في الفرد والمجتمع من جهة ثانية‘ وإنْ كان منتج النص(عليه السلام) لم يبتغ بعض الآثار التي ترافق النص، أي: من قبيل التفاعل الذي يخرج عن السيطرة حتى من قبل المتلقي نفسه.
وعلى سبيل المثال ما حدث لهمام بن عباد بن خيثم(رحمه الله)  حينما سمع الإمام علي (عليه السلام) يصف المتقين في الخطبة التي عرفت فيما بعد بخطبة المتقين.
فلما أنهى أمير المؤمنين (عليه السلام) كلامه (صحاح همام بن عباد صيحة فوقع مغشياً عليه، فحركوه فإذا هو فارق الدنيا؛ فغسله وصلى عليه أمير المؤمنين ومن معه)[1].
ومن ثم: نجد أن هذا المستوى العالي من التفاعل لم يكن في قصدية أمير المؤمنين(عليه أفضل الصلاة والسلام) ولم يكن هو مبتغاه بأن يفارق المتلقي الحياة وتزهق روحه متأثراً بالنص، فيعكس بذلك آثار النص التفاعلية في الفرد والمجتمع، ومستوى التأثر الكبير فيهما، فيعكس صورة فريدة من الوعي اللّاشعوري، وذلك لتعسر وصوله، أي همام بن عباد(رحمه الله) الى هذه الرتبة فيكون من المتقين الذين وصفهم أمير المؤمنين بهذه الصفات.

بَيد أنَّ هذا المستوى من الوعي الفردي نجده يتجلى في بعض النماذج التي تلقت النص -موضوع الدراسة- وعكست بتفاعلها حجم وعيها وشعورها الوجداني وفهمها لمبتغى منتج النص(عليه السلام) وقصديته في التعامل مع ابني فاطمة (عليهم السلام) مستنةً بذلك بأمير المؤمنين (عليه السلام) حينما جعل العلّة والغاية في توليتهما هي هذه المرتكزات:
1ـ اَبتغاء وجه الله.
2ـ وحرمة رسول الله (صلى الله عليه وآله).
3ـ ورضا فاطمة برضاهما (عليهم السلام).
فمما كان من هذه الشواهد والنماذج في زمانه وبعده من الأزمنة ما يلي:
أولًا: تحقق الوعي الفردي في شخصية عبد الله بن عباس وظهور قصدية منتج النص (عليه السلام) في التعامل مع ابني فاطمة (عليهم السلام).
ينقل لنا عبد الله بن عباس صورة نقية عن مستوى تحقق غرض منتج النص (عليه السلام) في تعظيم ابني فاطمة وصيانة حرمتهما، ومن ثم يحقق هذا المشهد الذي سنورده عن حجم التلقي ومستوى الوعي والتفاعل مع النص.

فقد أخرج الخطيب البغدادي وابن الجوزي وغيرهما عن يحيى بن زياد بن منظور في موقف جرى بين الفرّاء والمأمون العباسي وقد أستشهد بفعل ابن عباس في خلق حالة من الوعي في التعامل مع أهل الفضل والحرمات، وذلك حينما قال للمأمون:
(يروى عن ابن عباس أنه أمسك للحسن والحسين (عليهما السلام) ركبتيهما حين خرجا من عنده.
فقال له بعض من حضر:
أتمسك لهذين الحدثين ركبتيهما وأنت أسنُّ منهما؟!!
قال له:
أُسكت يا جاهل، لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا ذو الفضل)[2].
وقد عكس فعل عبد الله بن عباس تحقق مبتغى منتج النص(عليه السلام) في رفع مستوى الوعي بتعظيم ابني فاطمة (عليهم السلام) وحرمتهما عند الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله) وهو ما كان يبتغيه في أصل التولية لهما على أمواله وموقوفاته، أي أن أمير المؤمنين (عليه السلام) خلق هذا الوعي عند المتلقي سواء كانوا أبناءه أم أهل زمانه أم الأزمنة التي تلت ذلك الزمان كما هو حال أصاحب الإمام الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء، فقد عكسوا أجلى صور الوعي الجمعي في تحقق غرض منتج النص (عليه السلام) ، وكانوا أصدق حالة من حالات التفاعل والاستجابة لمقتضى النص وقصديته وأعظمها أثراً في المجتمعات على مرِّ العصور.
ولذلك كانت هذه الصور حية في ضمير الأمة فأعادت لها الروح وفتحت الأذهان لإعادة الأسس التي جاء بها الإسلام، والتي بها يتم الحفاظ على هوية الامة وحفظها من الجاهلية والضلال والهلاك، وهو ما نجده متجلياً في تلك الكلمات والمواقف التي شهدتها أرض كربلاء ليلة العاشر من شهر محرم الحرام[3].

 الهوامش:
[1] معارج العلا في مناقب المرتضى(عليه السلام)، تصنيف الشيخ محمد صدر العالم الدهلوي الحنبلي(ت1200هـ)، تحقيق السيد نبيل الحسني: ج1 ص266.
[2] تاريخ بغداد للخطيب: ج14 ص155؛ المنتظم لابن الجوزي: ج10 ص179؛ وفيات الاعيان لابن خلكان: ج6 ص179؛ إنباه الرواة للقفطي: ج4 ص18.
([3]) لمزيد من الاطلاع ينظر: فاطمة في نهج البلاغة، للسيد نبيل الحسني: ط: العتبة الحسينية المقدسة مؤسسة علوم نهج البلاغة. ج5/ ص 108-111.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1387 Seconds