من إرهاب الحرب الجسدية على فاطمة (عليها السلام). الحلقة الثانية: رأي المعتزلة فيما جرى من أرهاب جسدي على بضعة النبوة (عليها السلام) .

مقالات وبحوث

من إرهاب الحرب الجسدية على فاطمة (عليها السلام). الحلقة الثانية: رأي المعتزلة فيما جرى من أرهاب جسدي على بضعة النبوة (عليها السلام) .

647 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 20-12-2021

بقلم: السيد نبيل الحسني الكربلائي

إنّ مما مرّ ذكره في الحلقة السابقة من بيان لأثار الإرهاب الجسدي الذي شنه قادة السقيفة ، فخلف ذلك آثاراً جسدية كبيرة على بضعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جمعها النص الشريف المروي عن الإمام الصادق ، عن أبائه الطاهرين (سلام الله عليهم أجمعين)، قائلا:
«لما حضرت فاطمة عليها السلام الوفاة كانت قد ذابت من الحزن وذهب لحمها..».
فكان ذلك كاشفا ومعضدا للروايات التي تحدث عن تفاصيل الحرب التي شنت على بيت النبوة ، هذه الحرب التي لم يزل كثير من المسلمين إما في غفلة عنها أو في نكران لوقوعها كما هو حال المعتزلة ، على الرغم من تتبع أبن أبي الحديد لمجريات الأحداث وما خلفته هذه الحرب من أضرار على جسد بضعة النبوة (عليها السلام) ، وهي على النحو الآتي

1 ــ عصرها بين الحائط والباب.
2 ــ كسر ضلعها.
3 ــ إسقاط جنينها، وقتل ولدها المحسن.
4 ــ ضربها بالسوط على يدها حتى أصبح كالدملج.
5 ــ لطمها على وجهها فأصيبت عينها.

في حين أننا نجد أن خطاب ولدها الإمام الحسن (عليه السلام) لعمر بن الخطاب فيه الكفاية في بيان إرهاب الحرب الجسدية التي شنها وعصابته من المسلمين على بضعة النبوة(عليها السلام).

فقال:
«وأنت الذي ضربت فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى أدميتها وألقت ما في بطنها استذلالاً منك لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومخالفة منك لأمره وانتهاكاً لحرمته»([1]).
كما أن قيام ابن أبي الحديد المعتزلي بذكر هذه الفجائع والمصائب واستهجانه لها ورمي الشيعة بالتفرد بها-على قوله- وسكوته عن كونها صحيحة أم ضعيفة يدل على أن هذه المصائب أخذة من الشهرة والتواتر ما جعل المعتزلة تلزم الصمت عنها وتجعلها في مرويات الشيعة متغافلين عن أنها رويت بطرق أهل السُنّة والجماعة بأسانيد صحيحة وإن لم تكن بالتفصيل الذي كشفته روايات أئمة العترة(عليهم السلام).
وحسبك منها ما أخرجه ابن أبي شيبة الكوفي(ت235هـ)[2] ، وابن أبي عاصم(ت287هـ )[3] وابن عبد البر (ت463هـ) وقد حذف لفظ تهديد عمر بن الخطاب باحراق بيتها بالنار[4] وغيرهم ممن أخرجوا تهديده بحرق بيتها بمن فيه، وفيه أمير المؤمنين الإمام علي(عليه السلام) وسبطا النبي(صلى الله عليه وآله) الإمامين الحسن والحسين وأختهما زينب(عليهم السلام) ، ونفر من الصحابة الذين شهدوا بدر وأحد ، فضلاً عما روته أهل السُنّة في قتل المحسن ومصرعه.
أما قول ابن الحديد المعتزلي الذي يكشف فيه موقف المعتزلة فيما جرى من الإرهاب الجسدي على بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فكان على النحو الآتي:
(فأما الأمور الشنيعة المستهجنة التي تذكرها الشيعة: من إرسال قنفذ إلى بيت فاطمة (عليها السلام) وأنه ضربها بالسوط، فصار في عضدها كالدملج، وبقي أثره إلى أن ماتت، وأن عمر أضغطها بين الباب والجدار فصاحت يا أبتاه يا رسول الله[صلى الله عليه وآله]، وألقت جنينا ميتاً، وجعل في عنق علي (عليه السلام) حبل يقاد به وهو يعتل، وفاطمة[عليها السلام] خلفه تصرخ وتنادي بالويل والثبور، وابناه حسن وحسين[عليهما السلام] معهما يبكيان، وأن عليا[عليه السلام] لما أحضر سألوه البيعة فامتنع فتهدد بالقتل؛ فقال:
« إذن تقتلون عبد الله، وأخا رسول الله ».
 فقالوا: أما عبد الله فنعم، وأما أخو رسول الله فلا؛ وأنه طعن فيهم في أوجههم بالنفاق، وسطر صحيفة الغدر التي اجتمعوا عليها، وبأنهم أرادوا أن ينفروا ناقة رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) ليلة العقبة، فكله لا أصل له عند أصحابنا، ولا يثبته أحد منهم، ولا رواه أهل الحديث، ولا يعرفونه، وإنما هو شيء تنفرد الشيعة بنقله)([5]).
إنّ الميزة الأهم في أقوال ابن أبي الحديد هي كشفها عن تردده في قبول ما روته الشيعة وأهل السُنّة والجماعة في نفس الوقت ، فمرة يقرُّ بها ، أي بهذه المصائب، ومرة يقرُّ ببعضها، ومرة يلقيها في عنق الشيعة مدعيا أنهم تفردوا بروايتها، والذي يهمنا هنا ترتيبه الزمني لمجريات هذه الأحداث والمصائب بشكل دقيق يكشف عن اهتمامه الكبير بها، ولا يخفى على من تحقق في أقواله وآرائها أن سر هذا التردد، هو حبه للشيخين مع إقراره بهذه الأمور الشنيعة والمستهجنة التي فعلوها ببيت النبوة ، وهو نفس الأمر الذي جعله يتعامل مع مسألة الخلافة، أي أنه موقن ومقر بأن أمير المؤمنين الإمام علي(عليه السلام) هو أفضل من أبي بكر وعمر ، لكنه يحمد الله على تقديم المفضول على الفاضل في تولي الخلافة.

ومن ثم، فقوله: (إنما هو شيء تنفرد الشيعة بنقله)، لا أساس له من الصحة ومغالطة مع الذات ومحاولة لدفع هذه الشنائع عن قادة السقيفة الذين شنوا حرباً مفتوحة على بيت النبوة فكانت على صعيد الإرهاب الجسدي لبضعة النبوة فاطمة (عليها السلام) ما مرَّ ذكره، فكيف لا يكون حزنها طويلاً وكيف لا ييبس لحمها ويذوب بدنها؟!
علماً: أن مجريات الحرب النفسية التي شنها قادة السقيفة لم تكن أقل شناعة وبشاعة من إرهاب الحرب الجسدية التي نالت بضعة النبوة فاطمة(عليها السلام)، وهو ما سنتناوله في الحلقة القادمة.

الهوامش:
[1] الاحتجاج للطبرسي: ج1، ص278.
[2] المصنف: ج8 ص572
[3] المذكر والتذكير والذكر: ص92 .
[4] الاستيعاب :ج3 ص975 .
[5] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج2، ص60.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1678 Seconds