كاشفية نهج البلاغة عن معتقدات العرب وحاكمية الوثنية.

مقالات وبحوث

كاشفية نهج البلاغة عن معتقدات العرب وحاكمية الوثنية.

826 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 09-06-2022

بقلم: السيد نبيل الحسني.

إنّ من النصوص الشريفة التي وردت في نهج البلاغة والتي تتحدث عن تأثر الناس بالأساطير وأنْ لم تعرف أنذاك بهذه التسمية لكنها محددة عبر المفهوم والمصاديق الخارجية في أنحرافها عن عبادة الله تعالى بفعل المتغيرات التي أوجدتها الأهواء النفسية والميولات الشخصية عند البعض ممن عاصر الأنبياء (عليهم السلام) في البحث عن الرئاسة والسلطة الدينية والتحكم بعقول الناس فمزوجوا معتقادتهم بالأوهام وسنوا لهم الأحكام ونشروا بينهم الجهل وحثوهم على النفرة والقتل كي يسودوا البلاد  ويتحكموا بالعباد.

ويرشد النص الشريف عن أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) – وهو يخبر الناس عن علة ابتلاء نبي الله آدم(عليه السلام) وخروجه من الجنة وأقتضاء الأمر الإلهي بنزوله الى دار البلاء والاختبار- أن هذه الحالة العامة التي عليها معظم الناس كانت مصاحبة لبعث الأنبياء (عليهم السلام) مما يكشف عن الممازجة بين مفاهيم العبادة لله وطاعته ومفاهيم عبادة الشيطان ورموزه في الأصنام ومختلف سبل الوثنية وأشكالها.
فكان الأصل في وقوع الفتن والأنحراف عن جادة الحق وهلاك الناس منذ أن بعث آدم والى الخاتم (صلى الله عليه وآله) ، بل والى أنقضاء الدنيا هو الشبهات، فقد استحوذ الشيطان على بني آدم(عليه السلام) منذ أن أقدم ولده قابيل على قتل أخيه هابيل وشتت عقول الناس وسول لهم في أتباع الباطل ونشر الجهل وشياع الوثنية والعقائد المخالفة لنهج أبيه (عليه السلام)، وفي ذلك قال أمير المؤمنين الإمام علي(عليه السلام) فيما جرى على الناس منذ آدم (عليه السلام) :
 «واصْطَفَى سُبْحَانَه مِنْ وَلَدِه أَنْبِيَاءَ ، أَخَذَ عَلَى الْوَحْيِ مِيثَاقَهُمْ ، وعَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ أَمَانَتَهُمْ ، لَمَّا بَدَّلَ أَكْثَرُ خَلْقِه عَهْدَ اللَّه إِلَيْهِمْ ، فَجَهِلُوا حَقَّه واتَّخَذُوا الأَنْدَادَ مَعَه ، واجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ عَنْ مَعْرِفَتِه ، واقْتَطَعَتْهُمْ عَنْ عِبَادَتِه فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَه ، ووَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَه لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِه ، ويُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِه ، ويَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلِيغِ ، ويُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ ، ويُرُوهُمْ آيَاتِ الْمَقْدِرَةِ ، مِنْ سَقْفٍ فَوْقَهُمْ مَرْفُوعٍ ومِهَادٍ تَحْتَهُمْ مَوْضُوعٍ ، ومَعَايِشَ تُحْيِيهِمْ وآجَالٍ تُفْنِيهِمْ وأَوْصَابٍ تُهْرِمُهُمْ ، وأَحْدَاثٍ تَتَابَعُ عَلَيْهِمْ ، ولَمْ يُخْلِ اللَّه سُبْحَانَه خَلْقَه مِنْ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ ، أَوْ كِتَابٍ مُنْزَلٍ أَوْ حُجَّةٍ لَازِمَةٍ أَوْ مَحَجَّةٍ قَائِمَةٍ ، رُسُلٌ لَا تُقَصِّرُ بِهِمْ قِلَّةُ عَدَدِهِمْ ، ولَا كَثْرَةُ الْمُكَذِّبِينَ لَهُمْ ، مِنْ سَابِقٍ سُمِّيَ لَه مَنْ بَعْدَه أَوْ غَابِرٍ عَرَّفَه مَنْ قَبْلَه عَلَى ذَلِكَ نَسَلَتِ الْقُرُونُ ومَضَتِ الدُّهُورُ ، وسَلَفَتِ الآبَاءُ وخَلَفَتِ الأَبْنَاءُ إِلَى أَنْ بَعَثَ اللَّه سُبْحَانَه مُحَمَّداً ، رَسُولَ اللَّه ( ص ) لإِنْجَازِ عِدَتِه وإِتْمَامِ نُبُوَّتِه»[1] .

ويرشد قوله(عليه السلام) الى مناشئ تأثر الأنسان بما يعترضه من شؤون الحياة في طلب العيش ، ودفع الضرر من الأوبئة والأمراض والفناء، أي الموت فهو أعظم شيئ يهابه الأنسان ويحذر منه فأتبع في الخلاص منه الأوهام والظنون وسعى الى ما ينجيه من الموت وتتابع الأحداث عليه في موارد عيشه وبقاء ذويه ومن يأنس بهم من أنسان أو حيوان.
ومن ثم استغل بعض الناس هذه المؤثرات الفكرية وبثوها  بينهم فبدل اكثرهم عهد الله والتجئوا الى الاوثان والأصنام فجعلوها أندادا لله تعالى، وهو ما أشار إليه الإمام (عليه السلام):
« لَمَّا بَدَّلَ أَكْثَرُ خَلْقِه عَهْدَ اللَّه إِلَيْهِمْ ، فَجَهِلُوا حَقَّه واتَّخَذُوا الأَنْدَادَ مَعَه ، واجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ عَنْ مَعْرِفَتِه ، واقْتَطَعَتْهُمْ عَنْ عِبَادَتِه». 

وهو ما سعى الى معرفته علماء الأنثروبولوجيا والميثولوجيا ، أي معرفة تلك العوامل التي جعلت الأنسان يعتقد بوجود قوى غير مرئية تتحكم في عيشه وشؤونه الخاصة، وإن كان هؤلاء لا يفرقون بين أصول عقيدة الأنسان بهذه القوى ، فهل كان الانسان يرى أن المؤثر في الحياة والمتحكم بها هو الله تعالى أم هذه الاصنام والأوثان، ام أنها شريكة في التأثير.

وهل كان الديانات السماوية لها التاثير في المعتقد أم لا ، أي هل تأثر الانسان بالأنبياء (عليهم السلام) أم لا؟
لم ترد أجابات عن هذه التساؤلات مما قدم قراءة ناقصة وذلك لأهتمام علماء الميثولوجيا والأنثروبولوجيا بأثر الأسطورة في المكون العقدي للإنسان وكأنه بمعزل عن الديانات والأنبياء(عليهم السلام).
من هنا تظهر الحاجة الماسة الى كلام أمير المؤمنين(عليه السلام) في فهم المكون العقدي للإنسان قبل البعثة،
وفيها يقول ، أي في بيان طريقة تعامل الأنبياء(عليهم السلام) في أخراج الأنسان من دائرة الأعتقاد بالاساطير ومنشئها والقوى اللامرئية ومصدرها:
«ووَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَه لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِه ، ويُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِه ، ويَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلِيغِ ، ويُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ ، ويُرُوهُمْ آيَاتِ الْمَقْدِرَةِ ، مِنْ سَقْفٍ فَوْقَهُمْ مَرْفُوعٍ ومِهَادٍ تَحْتَهُمْ مَوْضُوعٍ ، ومَعَايِشَ تُحْيِيهِمْ وآجَالٍ تُفْنِيهِمْ وأَوْصَابٍ تُهْرِمُهُمْ ، وأَحْدَاثٍ تَتَابَعُ عَلَيْهِمْ»[2].

أما خصوصية تأثر العرب  بالأساطير العالمية فيعود الى جملة من الأمور، منها:
البيئة الجغرافية للجزيرة العربية ، فلقد ساعدت الصحراء وما أحيط بها من مظاهر بيئية كالجبال والوديان، فضلاً عن طبيعة الحياة التي دفعت الكثير منهم إلى الترحل، وما يرافقها من تعاقب مظاهر الليل والنهار، وما تستوطنه بيئتهم من بعض الحيوانات البرية والجوارح، كل ذلك كان عاملاً مهماً لخلق كثير من المعتقدات التي أفرزتها قوة الخيال الخصبة الناشئة من الهدوء والصمت الذي يسيطر على الصحراء مما جعل الإنسان العربي دقيق الملاحظة واسع الأفق يتوهم الأشياء غالباً ويسعى في تصديقها ولعله يبحث عن حقيقتها.

(فالأوهام تشيع وتجد قبولها في النفوس؛ لأن الناس يتشابهون فيما يرجع إلى اللاشعور والغرائز وأن اختلفت طبقاتهم، فهم يتشابهون في الوجدان والشهوات والمشاعر.
وفي الجماعات نزعات تتيح للأوهام والخرافات أن تذيع، وذلك لأن الجماعة سريعة التصديق والاعتقاد لاسيما إن كانت تغلب فطرتها على ثقافتها فتذهب في تفكيرها وتعليلها وقياسها مذاهب غيبية)([3]).
ولعل الموروث العقّدي الذي تكون لابن الجزيرة العربية ــ بوصفها مهد الرسالة المحمدية وأكثرها تنوعاً للمعتقدات والديانات ــ قد نشأ أيضاً من خلال ما نقل إليه من قصص زخرت بها الثقافة الإنجيلية والتوراتية، فضلاً عما أحيط بها من دول وأمم عرفت هذا التنوع من قبل، كبلاد الرافدين وبلاد الرومان والأغريق والفرس مما عزز خصوبة الاعتقاد بما يرد على الإنسان العربي من ثقافة وافدة جعلت منه شخصية تمتاز بكم هائل من الاعتقادات لتشكل خزيناً عقائدياً متنوعاً ورثه كابر عن كابر.
ليشكل كل ذلك تنوعاً من الديانات الخاصة بمجتمع مكة وما حولها برزت من بينها عبادة الأوثان مما يرسم لدينا تصوراً واضحاً عن حجم المعاناة والجهاد الذي بذله الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) في محاربة كل هذا الكم المتنوع من المعتقدات والديانات التي ظهرت في الجزيرة وبالأخص المجتمع المكي؛ إذ قد يتصور البعض سهولة القضاء على هذه المعتقدات الفاسدة وإمكانية تغييرها بمعتقد جديد ودين جديد، ظاناً أن باستطاعة (الإنسان أن يخرج من دائرة المعتقد عندما يعدل عن عقائد انتقلت إليه وراثة، وسوف نرى أنه كلما حاول أن يتخلص منها غاص فيها أكثر من ذي قبل)([4]).
مما يعزز لدينا الاعتقاد بصعوبة الجهد الذي قام به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في محاربة الوثنية بمنظوريها التوحيدي والطاغوتي  فشكل بذلك سلسلة من الجهاد الرسالي الذي بدأه نبي الله آدم، وأقامه إبراهيم الخليل (عليهما السلام) وشيّده المصطفى (صلى الله عليه وآله) ووصيه أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليهما السلام)[5] .

الهوامش:
[1] نهج البلاغة، الخطبة الأولى، ص44 بتحقيق صبحي الصالح.
[2] نهج البلاغة، الخطبة الأولى، ص44 بتحقيق صبحي الصالح.
([3]) المعتقدات الشعبية في الموروث الشعري العربي القديم لعبد الرزاق خليفة: ص5.
([4]) المصدر السابق: ص6 نقلاً عن: الآراء والمعتقدات، غوستاف لوبون، ترجمة محمد عادل زعيتر، المطبعة العصرية، مصر، ص10.
([5]) لمزيد من الإطلاع ينظر : أثر الميثولوجيا العالمية في تكوين عقائد العرب قبل الإسلام في ضوء التاريخ ونهج البلاغة ، السيد نبيل الحسني ، ط1 العتبة الحسينية المقدسة – 2022م   [5]

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.2152 Seconds