من ألفاظ البيع والشراء في نهج البلاغة: 20- الغِنَى

مقالات وبحوث

من ألفاظ البيع والشراء في نهج البلاغة: 20- الغِنَى

995 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 14-02-2023

بقلم: الدكتور سحر ناجي المشهدي

الحمد لله الأول قبل الإنشاء، والآخر بعد فناء الأشياء، أحمده استتمامًا لنعمته، واستعصاماً من معصيته، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على من اصطفى من الخلق أجمعين سيدنا ونبينا محمد وآل الطاهرين..
اما بعد:
ورد هذا اللفظ في ست وسبعين موضعاً من النهج، دالاً على معنيين:
    الغنى الحقيقي  (المادي):  ويعني الكفاية من كلِّ شيء وكَـثُر وروده في كلامه (عليه السلام)  ؛ كمَّا يتضِّح  في خطبة له يصِّف فيها (المُتقِين)  قائلاً: « فَمِنْ عَلاَمَةِ أَحَدِهِمْ أَنَّكَ تَرَى لَهُ قُوَّةً فِي دِين،  وَحَزْماً فِي لِين،  وَإِيمَاناً فِي يَقِين وَحِرْصاً فِي عِلْم،  وَعِلْماً فِي حِلْم،  وَقَصْداً فِي غِنىً» [1] فـ(قَصْدَا في غِنَى)  حرف الجر متعَلق بمحذوفٍ:  هو مقتصد مع كونه غنيا،  ولايجوز أن يكون متعلقا بالظَّاهر،  فلا معنى لأقتصد ؛ إنَّما يقال:  اقتصد في النفقة،  فذّلك الاقتصاد موصوف بأنَّه مقارن للغنى ومجامع له[2]. 
وقال (عليه السلام): « الْغِنَى فِي الْغُرْبَةِ وَطَنٌ،  وَالْفَقْرُ فِي الْوَطَنِ غُرْبَةٌ»[3]. 

 فالمقابلة بين الإسمين (الغنى والفقر)،  و(وطن وغربة)،  وبين شبه الجملة (في الغربة)  و(في الوطن)،  وكلمة (الوَطَن)  توحي بالقوة،  والأهل،  وجمع الشمل،  وبالمتعة والرّاحة والطمأنينة،  والغني الواجد تتوافر له هذه الصفات،  فالمال قوة ومتعة وبه ترتاح النفوس وتتودد الى صاحبه،  أمَّا الغربة فتوحي بالضعف والوحدة والألم والخوف والضياع والمعنى أنَّ الغني وطن بذاته سواء أكان في بلاده أم غيرها،  والفقر وحشة وتشريد حتى وإن كان في مسقط رأسه[4].
  وجاء الإسم منه متصلاً بضمير الغائبة في قوله (عليه السلام): «وَقَدَّرَ الاْرْزَاقَ فَكَثَّرَهَا وَقَلَّلَهَا،  وَقَسَّمَهَا عَلَى الضِّيقِ والسَّعَةِ فَعَدَلَ فِيهَا لِيَبْتَلِيَ مَنْ أَرَاد بَمَيْسُورِهَا وَمَعْسُورِهَا،  وَلِيَخْتَبِرَ بِذلِكَ الشُّكْرَ والصَّبْرَ مِنْ غَنِيِّهَا وَفَقِيرِهَا» [5].
  ونلاحظ استعمال الإمام (عليه السلام)  للتقابل بالفعل (كثَّرها وقللّها)،  كما جاء بالإسم (الضيق والسِعَة)  و(ميسورها ومعسورها)  و(غنيها فقيرها)  وكلُّها مسبوقة بأفعال (قدّر،  قسَّم)  مُعَلِلاَّ سبب ذلك بأفعال سُبِقَت بـ(لام التعليل) في (لِيبتلي،  ولِيختبر)  وفيها بيان لإعجاز الخالق (سبحانه وتعالى).
  وورد الإسم (غَنِي)  متصلا بضمير الغائب منها قوله في فساد الزَّمان: « لايُعَظِّمُ صَغِيرُهُمْ كَبِيرَهُمْ، وَلاَ يَعُولُ غَنيِيُّهُمْ فَقِيرَهُم»[6].
   إذ جعل له من أموال الأغنياء حقا للفقراء،  فلا فرق بين أن يمسك الغني هذا الحق عن الفقير،  أو يسلبه ثوبه وقوته،  هذا إذا كان الغني قد إكتسب أمواله من حل أمَّا إذا اكتسبها من حرام فالمَّال كلُّه للفقراء،  وفي سبيل الله[7].
  فالمقابلة الإسمية بين (صغيرهم،  كبيرهم وغنيها،  فقيرها)  وجاء (غَنِي)  مُعَرَّفا بـ(ال) على زنة (أفْعلاء)، 
 وأصله (أغنياي)،  لتطرف الياء ووقوعها لاما،  وماقبلها ألف زائدة انفتح ماقبلها،  فقلِبَت الياء إلى همزة.
  ء ـَـ  غـ / نـ ـِـ / ي ـَـَـ ي تقلب الياء الى همزة  ءـَـ غـ / نـ ـِـ / ي ـَـَـ ء    إعلال بالقلب.
 ومنها قوله في العصبية: «وَأَمَّا الاْغْنِيَاءُ مِنْ مُتْرَفَةِ الاْمَمِ،  فَتَعَصَّبُوا لاِثَارِ مَوَاقِعِ النِّعَمِ،  فَـ» قَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ»[8]. 
  وتَرَف الرَّجل إذا تَنَعَّم،  وأتْرَفه المَالُ أبطره وأفسده،  ولا شيءَ أدَّل على فسادهم وإفسادهم من أنهَّم لايفكرون إلاَّ من خلال المَّال،  ولا يستمعون للكَسْبِ والرِّبحِ وقد أنكر مترفوا قريش نبوة محمد (صلّى اللهُ عليه وآله وسَلَم)  ؛ لأنه لايَملِكُ كَنْزا ولاجنة ًيأكلُ منها  [9].

1) الغِنى المجازي:  إذ يَسْتَعْمِل الغِنَى في وصف القرآن،  العقل،  الماء،  أو الاكتفاء عن الحاجة،  وقد جاء هذا المعنى،  في قوله (عليه السلام): « يَا أيُّها النَّاسُ،  مَتَاعُ الدُّنْيَا حُطَامٌ مُوبِىءٌ فتَجَنَّبُوا مَرْعَاهُ ! قُلْعَتُهَأَ أحْظى مِنْ طُمَأْنِينَتِهَا،  وَبُلْغَتُهَا أَزْكى مِنَ ثَرْوَتِهَا،  حُكِمَ عَلَى مُكْثِر مِنْهَا بِالْفَاقَةِ  وَأُعيِنَ مَنْ غَنِيَ عَنْهَا بِالرَّاحَة،  مَنْ رَاقَهُ زِبْرِجُهَا أَعْقَبَتْ نَاظِرَيْهِ كَمَهاً» [10].
   وجاء إسم التفضيل (أغْنَى) في قوله (عليه السلام)  لإبنه الحسن (عليه السلام): «يَا بُنَيَّ،  احْفَظْ عَنِّي أَرْبَعاً وَأَرْبَعاً،  لاَ يَضُرَّكَ مَا عَمِلْتَ مَعَهُنَّ إِنَّ أَغْنَى الْغِنَىُ الْعَقْلُ،  وَأَكْبَرَ الْفَقْرِ الْحُمْقُ» [11].
   والأصل في  أغْنى:  أصله (اغْنَي)  ؛ لِتَحَرُك الياء ووقوعها بعد فتح قلبت الفا التفضيل أغنى على زنة (أفْعَل)، وأصله (اغْنَي)  ؛ ولتحرك الياء ووقوعها بعد فتح قُلِبَت الف
 (ء ـَـ غـ / نـَـ / ي ـَـ    قلبت الياء الفا    ء ـَـ غـ / نـ ـَـَـ)   إعلال بالقلب
   ومن كلام له لابي ذر (رحمه الله) « يَاأَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ غَضِبْتَ للهِ، فَارْجُ مَنْ غَضِبْتَ لَهُ،  إِنَّ الْقَوْمَ خَافُوكَ عَلَى دُنْيَاهُمْ،  وَخِفْتَهُمْ عَلَى دِينِكَ،  فَاتْرُكْ فِي أَيْدِيهِمْ مَا خَافُوكَ عَلَيْهِ،  وَاهْرُبْ مِنهُمْ بِمَا خِفْتَهُمْ عَلَيْهِ؛ فَمَا أَحْوَجَهُمْ إِلَى مَا مَنَعْتَهُمْ،  وأَغْنَاكَ عَمَّا مَنَعُوكَ!»[12].
  فثورةُ أبي ذر في وجه معاوية وعثمان،  هي ثَورة على الفقر والظلم،  رفض مهادنة الطُّغاة،  وحاول معاوية أن يشتريه بالمَّال ؛ كما حاول عثمان لكنّه أبى وعمل بطَّاعة اللهِ ووصية رسولهِ ويكفيه فَخْرَا أنَّ الرسولَ قال فيه: « ما أقلت الغبَراء ولاأضَلَتْ الخَضْراء أصدق لهجة من أبي ذر» [13].
   ولفظ اسْتَغْنى: الأصل فيه استَغْنَي، على زنة (إسْتَفْعَل)،  ويعني التحول من حالة الفقر إلى  الغِنى،  إذ تحركت الياء وقبلها مفتوح،  فقُلِبَتْ ألف منها قوله في بيان قدرة الله: « تَزْعَمُ أَنَّكَ تَهْدِي إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي مَنْ سَارَ فِيهَا صُرِفَ عَنْهُ السُّوءُ ؟ وَ...،  وَاسْتَغْنَى عَنِ الاِسْتِعَانَةِ بِاللهِ عزّوجلّ فِي نَيْلِ الْمحْبُوبِ وَدَفْعِ الْمَكْرُوهِ»[14].
  وورد هذا المصدر مُعَرَّفا بـ (ال)  ؛ لتخصيص وتقييد معنى الغنى،  ووردَ مُنَكَرا ليدلُّ على الشمول والعموم في كلِّ أنواع الغِنَى في قوله من خطبة له يذكر فضائل أهل البيت: « فَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ عَمَل نَبَاتٌ، وَكُلَّ نَبَات لاَ غِنَى بِهِ عَنِ الْمَاءِ،  وَالْمِيَاهُ مُخْتَلِفَةٌ،  فَمَا طَابَ سَقْيُهُ طَابَ غَرْسُهُ وَحَلَتْ ثَمَرَتُهُ،  وَمَا خَبُثَ سَقْيُهُ خَبُثَ غَرْسُهُ وَأَمَرَّتْ ثَمَرَتُهُ»[15].
قال أحمد بن فارس: « الغين والنون والحرف المعتل أصلان صحيحان،  أحدهما يدل على الكفاية،  والآخر صوت.  فالأول الغِنَى في المال.  يقال:  غَنى يُغْنِى غنىٍ.  والغَناء بفتح الغين مع المد:  الكفاية.  يقال:  لايغنى فلان غناء فلان،  أي لايكفي كفايته.  وغنى عن كذا فهو غان»[16].
  وجاء في المعجمات:  غَنَاه الله تعالى،  وأغناه،  والإسم الغُنية،  بالضّم والكِسر،  والغُنوة والغُنيان مضمومتان[17].
قال تعالى: ﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾[18]
و من أسماء الله الحسنى:  الغَني.  وقال أبن الاثير:  هو الذي لايحتاج إلى أحد في شيء،  وكل أحد محتاج اليه،  وهذا هو الغنى المطلق،  ولايشارك الله تعالى فيه غيره.  ومن أسمائه المغني سبحانه وتعالى.  وهو الذي يغنى من يشاء من عباده،  وهو ضدّ الفقر[19])[20].

الهوامش:
[1] نهج البلاغة:  خ 193،  221 .
[2] ظ:  شرح نهج البلاغة:  ابن ابي الحديد:  10 / 118.
[3] نهج البلاغة:  الحكم القصار:  56،  362.
[4] ظ:  في ظلال نهج البلاغة:  2 / 550 .
[5] نهج البلاغة:  خ 91،  92
[6] خ 233،  262 .
[7] ظ:  في ظلال نهج البلاغة:  4 / 423.
[8] نهج البلاغة:  خ 192،  215.
[9] ظ:  في ظلال نهج البلاغة:  4 / 179 .
[10] نهج البلاغة:  الحكم القصار:  367،  406.
[11] الحكم القصار:  38،  360.
[12] خ 130،  134.
[13] ظ: في ظلال نهج البلاغة:  3 / 102.
[14] نهج البلاغة:  خ 79،  63.
[15] خ 154،  153.
[16] مقاييس اللغة:  4 / 317.
[17] ظ:  لسان العرب (مادة غنى):  5 / 3308.
[18] الحج / 22.
[19] النهاية في غريب الحديث والأثر:  681.
[20]لمزيد من الاطلاع ينظر: المعجم الاقتصادي في نهج البلاغة، للدكتورة سحر ناجي المشهدي، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص 124-130.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.2281 Seconds