الدنيا في خطب الإمام علي عليه السلام قوله عليه السلام: ((عِبَادَ اللَّه إِنَّكُمْ ومَا تَأْمُلُونَ))

سلسلة قصار الحكم

الدنيا في خطب الإمام علي عليه السلام قوله عليه السلام: ((عِبَادَ اللَّه إِنَّكُمْ ومَا تَأْمُلُونَ))

676 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 24-05-2023

بقلم السيد عبد الحسين الغريفي المشهدي

الحمد لله رب العالمين، ثم الصلاة والسلام على سيّد الخلق أجمعين سيدنا ونبيّنا أبي القاسم المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على اعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

وبعد:
في خطبة له وفيها ذكر المكاييل والموازيين، قال عليه السلام:
عِبَادَ اللَّه إِنَّكُمْ ومَا تَأْمُلُونَ، مِنْ هَذِه الدُّنْيَا أَثْوِيَاءُ مُؤَجَّلُونَ، ومَدِينُونَ مُقْتَضَوْنَ أَجَلٌ مَنْقُوصٌ، وعَمَلٌ مَحْفُوظٌ، فَرُبَّ دَائِبٍ مُضَيَّعٌ ورُبَّ كَادِحٍ خَاسِرٌ، و[1] قَدْ أَصْبَحْتُمْ فِي زَمَنٍ لَا يَزْدَادُ الْخَيْرُ فِيه إِلَّا إِدْبَاراً، ولَا الشَّرُّ[2] فِيه إِلَّا إِقْبَالًا، ولَا الشَّيْطَانُ[3] فِي هَلَاكِ النَّاسِ إِلَّا طَمَعاً، فَهَذَا أَوَانٌ قَوِيَتْ عُدَّتُه، وعَمَّتْ مَكِيدَتُه وأَمْكَنَتْ فَرِيسَتُه. اضْرِبْ بِطَرْفِكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ النَّاسِ،  فَهَلْ[4] تُبْصِرُ إِلَّا فَقِيراً يُكَابِدُ فَقْراً،  أَوْ غَنِيّاً بَدَّلَ نِعْمَةَ اللَّه كُفْراً، أَوْ بَخِيلًا اتَّخَذَ الْبُخْلَ بِحَقِّ اللَّه وَفْراً،  أَوْ مُتَمَرِّداً كَأَنَّ بِأُذُنِه عَنْ سَمْعِ الْمَوَاعِظِ وَقْراً،  أَيْنَ أَخْيَارُكُمْ وصُلَحَاؤُكُمْ،  وأَيْنَ[5] أَحْرَارُكُمْ وسُمَحَاؤُكُمْ،  وأَيْنَ الْمُتَوَرِّعُونَ فِي مَكَاسِبِهِمْ،  والْمُتَنَزِّهُونَ فِي مَذَاهِبِهِمْ، أَلَيْسَ قَدْ ظَعَنُوا جَمِيعاً،  عَنْ هَذِه الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ،  والْعَاجِلَةِ الْمُنَغِّصَةِ،  وهَلْ خُلِقْتُمْ[6] إِلَّا فِي حُثَالَةٍ،  لَا تَلْتَقِي إِلَّا بِذَمِّهِمُ الشَّفَتَانِ،  اسْتِصْغَاراً لِقَدْرِهِمْ وذَهَاباً عَنْ ذِكْرِهِمْ،  فَـ {إِنَّا لِلَّه وإِنَّا إِلَيْه راجِعُونَ}[7] ظَهَرَ الْفَسَادُ فَلَا مُنْكِرٌ مُغَيِّرٌ،  ولَا زَاجِرٌ مُزْدَجِرٌ،  أَفَبِهَذَا تُرِيدُونَ أَنْ تُجَاوِرُوا اللَّه فِي دَارِ قُدْسِه،  وتَكُونُوا أَعَزَّ أَوْلِيَائِه عِنْدَه،  هَيْهَاتَ لَا يُخْدَعُ اللَّه عَنْ جَنَّتِه،  ولَا تُنَالُ مَرْضَاتُه إِلَّا بِطَاعَتِه.  لَعَنَ اللَّه الآمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ التَّارِكِينَ لَه، والنَّاهِينَ عَنِ الْمُنْكَرِ الْعَامِلِينَ بِه[8].

شرح الألفاظ الغريبة:
أثوياء: جمع ثوي – كغني – وهو الضيف؛ الدائب: المداوم في العمل؛ الكادح: الساعي لنفسه بجهد ومشقة والمراد: من يقصر سعيه على جمع حطام الدنيا؛ أمكنت الفريسة: أي سهلت وتيسرت؛ الحثالة:، بضم الحاء – الرديء من كل شيء، والمراد قزم الناس وصغراء النفوس؛ الوقر: الصمم[9].

الشرح:
قد نفر عليه السلام عن الدنيا بذكر عدة من معايبها:
أحدهما: كونهم فيها ضيفاناً واستعار لهم لفظ الضيف وكذلك لما يأملون منها.
ووجه الاستعارة: مشابهتهم للضيف في تأجيل الإقامة وانقطاع وقته وقرب رحيله ومؤجلون: ترشيح للاستعارة.
الثانية: كونهم مدينون، واستعار لفظ المدين باعتبار وجوب الفرائض المطلوبة منهم، وعهد الله المأخوذ عليهم أن يرجعوا إليه طاهرين عن نجس الملحدين، ورشح بذكر المقتضين؛ لما أن شأن المدين أن يقتضي فيه الدين.
ثم لما ذكر كونهم مؤجلين ومدينين كرر ذكر الأجل بوصف النقصان، ولا شك في نقصان ما لا يبقى، وذكر العمل – الذي خالصه وصالحه هو الدين المقتضي منهم، بوصف كونهم محفوظاً عليهم؛ ليجذب بنقصان الأجل إلى العمل، وبحفظ العمل إلى اصلاح والإخلاص فيه.
وأجل وعمل: خبران حذف مبتدائهما، أي أجلكم أجل منقوص، وعملكم عمل محفوظ.
ونبه بقوله: ((فرب دائب مضيع ورب كادح خاسر)): أن العمل وإن قصد فيه اصلاح أيضاً إلا أنّه قد يقع على وجه الغلط، فيحصل بذلك انحراف عن الدين وضلال عن الحقّ، فيضيع العمل ويخسر الكدح، كذأب الخوارج ونحوهم، فربما دخل الكادح في قوله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}[10]، وذلك ككدح أهل الكتاب ونحوهم.

وقوله: ((وقد أصبحتم...)) إلى قوله: ((إقبالاً)).
شكاية للزمان وذم له، وهو كقوله: ((إنّا قد أصبحنا في زمن كنود، ودهر عنود))؛ وذلك لأخذ الزمان في البعد عن وقت ظهور الشريعة وطراوتها وجراءة الناس على هتك الدين وارتكاب مناهي الله.
وكذلك طمع الشيطان في هلاكهم، أي في هلاك دينهم الذي يكون غايته هلاكهم في الآخرة.
وأشار إلى أن ذلك الوقت هو أوان قوة عدته، وعموم مكيدته، وإمكانه عمله فما ظنك بزماننا هذا وما بعده؟!
واستعار لفظ الفريسة لمطاوعي الشيطان والمنفعلين عنه.
ووجه الاستعارة: بلوغه منهم مراده، وتصريفه لهم لغاية هلاكهم، كالأسد مع فريسته.
وقوله: ((اضرب بطرفك...)) إلى قوله: ((وقراً)).
شرح لما أجمله أولاً من ازدياد إقبال الشر وإدبار الخير، وكفر الغني تركه وإعراضه عن شكر نعم الله سبحانه عليه.
وقوله: ((بحق الله)): متعلق بالبخل، أي أن البخيل يقصد ببخله – بحق الله على مستحقه – توفير المال والزيادة فيه.
سؤال من باب تجاهل العارف؛ تنبيهاً لهم على ما صاروا إليه من الفناء وفراق الدنيا، وعلى أنه لم يبق فيهم من أولى الأعمال الصالحة أحد لعلهم يرجعون إلى لزوم الأعمال الصالحة.
وأراد بالأحرار: الكرماء؛ والمتورعون في مكاسبهم الملازمون للأعمال الجميلة فيها من التقوى والمسالمة وإخراج حقوق الله تعالى؛ والمتنزهون في مذاهبهم: الممتنعون عن ولوج أبواب المحارم والشبهات في مسالكهم وحركاتهم.
وقوله: ((أليس...)) إلى قوله: ((المنغصة)):
سؤال على سبيل التقرير، لما نبههم عليه من فراق الدنيا ودناءتها بالنسبة إلى عظيم ثواب الآخرة، وتنغيصها بالآلام ونحوها، حتى قال بعض الحكماء: إن كل لذة في الدنيا فإنما هي خلاص من ألم.
وقوله: ((وهل خلقتم...)) إلى قوله: ((عن ذكرهم)):
سؤال على سبيل التقرير لما أيضاً، واستعار لفظ الحثالة لرعاع الناس وهمجهم.
وقوله: ((لا تلتقي بذمهم الشفتان)): أي إنهم أحقر من أن يشتغل الإنسان بذمهم.
وانتصاب استصغاراً وذهاباً على المفعول له؛ وحسن اقتباس القرآن هاهنا؛ لما أنّ هذه الحال التي الناس عليها من فقد خيارهم وبقاء شرارهم مصيبة لحقتهم ومن آداب الله للصابرين على نزول المصائب أن يسلموا أنفسهم وأحوالهم إليه فيقولوا عندها: ((إنا لله وإنا إليه راجعون))، كما قال سبحانه: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ...} الآية[11]
ثم حكم على سبيل التوجع والأسف بظهور الفساد، وبنفي المنكر المغير للفساد المزدجر عنه؛ تنبيهها لهم على أنهم وإن كان فيهم من ينكر ويزجر إلا أنه لا يغير ما ينكره ولا يزدجر عن مثله؛ وذلك من قبائح الأعمال والرياء فيها.
وقوله: ((أفبهذا)): أي بأعمالكم هذه المدخولة وبتقصيركم.
ومجاور الله: الوصول إليه والمقام معه في جنته، التي هي مقام الطهارة عن نجاسات الهيئات البدنية ومقام تنزيه ذات الله تعالى وظهارتها عن اتخذا الشركاء والأنداد، وهو استفهام على سبيل الإنكار؛ ولذلك عقبه بقوله: ((هيهات...)) إلى آخره.
ولما كان ذلك يجري مجرى الزهد الظاهر مع النفاق في الباطن، أعني أعمالهم المدخولة من إنكار المنكر وارتكابهم؛ نبههم على أن فعلهم كخداع الله عن جنته.
وصرح بأن الله لا يخدع؛ لعلمه بالسرائر، وأنه لا تنال مرضاته إلا بطاعته، أي الطاعة الحقيقية الخالصة دون الظاهرة.
ثم ختم بلعن الآمرين بالمعروف مع تركهم للعمال به، والناهي عن المنكر المرتكبين له؛ لأنهم منافقون مغرون بذلك لمن يقتدي بهم، والنفاق مستلزم اللعن والبعد عن رحمة الله. وبالله التوفيق[12])([13]).

الهوامش:
[1] (الواو) ليست في نهج المحقق الشيخ العطار.
[2] في نهج البلاغة لصبحي صالح: ولا الشر.
[3] في نهج البلاغة لصبحي صالح: ولا الشيطان.
[4] في شرح نهج البلاغة لابن ميثم والشيخ محمد عبده: وَهَلْ.
[5] كلمة (أين) ليست في نهج البلاغة لابن ميثم والشيخ محمد عبده.
[6] في نهج البلاغة للمحقق الشيخ العطار: خلفتم.
[7] البقرة: 156.
[8] نهج البلاغة لصبحي صالح 187/ خطبة رقم 129، نهج البلاغة للمحقق الشيخ العطار: 249/ خطبة رقم 129، نهج البلاغة لابن ميثم 3: 141-132/ وفيه (ومن كلام له عليه السلام) ونهج البلاغة للشيخ محمد عبده 1: 264-266.
[9] شرح الألفاظ الغريبة: 632، والألفاظ الغريبة في شرح نهج ابن ميثم 3: 142.
[10] الكهف: 103.
[11] البقرة: 155.
[12] شرح نهج البلاغة لابن ميثم 3: 142-144/ في شرح من كلام له عليه السلام في ذكر المكاييل والموازين.
([13]) لمزيد من الاطلاع ينظر: الدنيا في نهج الإمام علي عليه السلام: السيد عبد الحسين الغريفي، ط: مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة: ص 129-135.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.2362 Seconds