بقلم: الدكتور سحر ناجي المشهدي
الحمد لله الأول قبل الإنشاء، والآخر بعد فناء الأشياء، أحمده استتمامًا لنعمته، واستعصاماً من معصيته، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على من اصطفى من الخلق أجمعين سيدنا ونبينا محمد وآل الطاهرين..
اما بعد:
تكرر هذا اللفظ سبع مرات في النَّهْج، ودل على:
1) المعنى الحقيقي، فجاء على زنة (فِعَالاً) زمنُ الغَرس أو فسيل النخل، جاء في قوله لِمَا يُعمَل في أمواله بعد انصرافه من صِفِّين: «وَيَشْتَرِطُ عَلَى الَّذِي يَجْعَلُهُ إِلَيْهِ أَنْ يَتْرُكَ الْمَالَ عَلَى أُصُولِهِ، وَيُنْقفِقَ مِنْ ثَمَرِهِ حَيْثُ أُمِرَ بِهِ وَهُدِيَ لَهُ، أَلاَّ يَبِيعَ مِنْ أَوْلاَدِ نَخِيلَ هذِهِ الْقُرَى وَدِيَّةً حَتَّى تُشْكِلَ أرضهَا غِرَاساً»([1]). ينبغي ألَّا يباع من فسيلها شيء لتكمل غِراساً. فالنخلة قبل ان يشكل أرضها غير مستحكمة الجذع ولا مشتدة لو قلع فسيلها ضعف جدا فلا تنتج، وإن قويت لم يكن عليها بقلع فسيلها كثير مضرة وذلك حين يشكل أرضها ويتكامل غراسها وتلتبي على الناظر([2]).
2) المعنى المجازي: فجاء على صيغة الفعل الماضي المبني للمجهول لكونهم معروفين وهم (بنو هاشمٍ) متصلاً بواو الجماعة في قوله: «بِنَا يُسْتَعْطَى الْهُدَى، وَبِنَا يُسْتَجْلَى الْعَمَى. إِنَّ الاْئِمَّةَ مِنْ قُرَيش غُرِسُوا فِي هذَا الْبَطْنِ مِنْ هَاشِم، لاَ تَصْلُحُ عَلَى سِوَاهُمْ، وَلاَ تَصْلُحُ الْوُلاَةُ مِنْ غَيْرِهم»([3])، والمراد بالبطن: بنو هاشم فكلُّ منهم يحمل هذا الكلام على من اعتقد امامته ولا يصلح على سواهم، فلا يكون الصَّلاح على يدِّ من سواهم([4]). فقد تصدر النص بـ(إنَّ) التوكيدية المباشرة وأبناء هاشم هم من يصلحوا للخلافة والإمامة، وغرسوا معناه خرجوا من صلبه، واستعماله للفعل (غرسوا)؛ لاحتمالية التصديق التي تمثل الفكرة.
والمصدر منه غَرسَاً وغِراسَاً، فـ(غَـَـرْسَا) على زنة (فَـَعْلاً وفِعَالاً) متصلاً بضمير الغائب في قوله: «فَمَا طَابَ سَقْيُهُ طَابَ غَرْسُهُ وَحَلَتْ ثَمَرَتُهُ، وَمَا خَبُثَ سَقْيُهُ خَبُثَ غَرْسُهُ وَأَمَرَّتْ ثَمَرَتُهُ»([5])، فقد قابل بين (طابَ وخَبُثَ) و(حلت وأمرت) فكلُّ سقيٍ يتبعه غَرس ثمَّ ثَمَرٌ، استعار لفظ الغرس لزيادة الاعمال ونموها، ورشح الاستعارة بذكر الماء. فكنَّى به عن المادة القلبية والنيات بحركة النمو للنبات إنَّما تكون بالماء، فاختلاف المياه في الحلاوة والملوحة سبب لاختلاف استعداد النبات لطيب المغارس والثمار فما طاب سقيه: أي نصيبه من الماء طيب ثمارها، وأنواع لذَّاتها بحسب طيب مادتها من الإخلاص لله، وخبثها بخبث مادتها من الرِّياء وحبُّ الشهرة وتكون ثمرتها أمرُّ الثِّمار. اذ لا أمَّر مذاقاً من عذاب النار([6]).
وجاء اسما للمكان على زنة (مـَفـعـَـل) مفردا في قوله: « وَاعْلَمْ أَنَّ الْبَصْرَةَ مَهْبِطُ إِبْلِيسَ، وَمَغْرِسُ الْفِتَنِ، فَحَادِثْ أهلهَا بِالاْحْسَانِ إِلَيْهِمْ، وَاحْلُلْ عُقْدَةَ الْخَوْفِ عَنْ قُلُوبِهِمْ» ([7]).
فقد استعار الإمام لفظ (المَغْرِس) للبصرة، بوصفها محلا لنشوء الفتن الكثيرة، كمغرس الشَّجر من الأرض بوصفها محلا تنشأ فيه الفتن الكثيرة كمغرس الشَّجر من الأرض محل لنشوئه ونمائه ([8])، وزنة (مـَـفْعـِل) في قوله في رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: «حَتَّى أَفْضَتْ كَرَامَةُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِلَى مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وآله) فَأَخْرَجَهُ مِنْ أَفْضَلِ الْمَعَادِنِ مَنْبِتاً وَأَعَزِّ الْأَرُومَاتِ مَغْرِساً مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي صَدَعَ مِنْهَا أَنْبِيَاءَهُ وَانْتَجَبَ مِنْهَا أُمَنَاءَهُ»([9])، اذ وقع تمييزا وسبق باسمي التفضيل (افضل) للمنبت و(أعز) للمغرس، واستعار لفظ المغرس لطينة النبوة ووجه الاستعارة ان تلك المادة منشأ لمثله كما أنَّ الأرض مغرس الشجر الطَّيب([10]).
و ورد الجمع من (مَغْرس) (مـَـغـَـارِس) على زنة (مـَـفـَـاعِـل)، وهي صيغة منتهى الجموع في قوله(عليه السلام): « وَلَوْ أَرَادَ اللهُ سُبْحَانَهُ بأَنْبِيَائِهِ حَيْثُ بَعَثَهُمْ أَنْ يَفْتَحَ لَهُمْ كُنُوزَ الْذِّهْبَانِ، وَمَعَادِنَ الْعِقْيَانِ، وَمَغَارِسَ الْجِنَانِ، وَأَنْ يَحْشُرَ مَعَهُمْ طَيْرَ السَّماءِ وَوُحُوشَ الأرضينَ لَفَعَلَ»([11]).
و الغِراس: وقت الغرس، والمَغْرس موضعه، والغِراس: فسيل النًخل، والغَرْس: الشجر الذي يُغْرَس وجمعه أغْراس، والغِرس: جليدة رقيقة تخرج على رأس الولد اذا حُسًت افثاثت([12]).
«الغين والراء والسين أصل صحيح قريب من الذي قبله يقال: غرست الشجر غرسا، وهذا زمن الغراس. ويقال إن الغريسة: النخلة اول ما تنبت»([13]).
و الغَرْسُ: غرسك الشجر والغِراس: زمن الغَرْس، والفعل الغَرْس، والغِرَاس: ما يغرس من الشجر والقضيب الذي يُنزع من الحبة ثم يُغْرَس، والنواة التي تزرع، والفسيلة ساعة توضع في الأرض حتى تعلق وجمعه غَرائِس وغِرَاس([14]))([15]).
الهوامش:
([1]) نهج البلاغة: ك 24، 282.
([2]) ظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 4 / 360.
([3]) نهج البلاغة: خ 144، 143.
([4]) ظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 3 / 177.
([5]) نهج البلاغة: خ 154، 153.
([6]) ظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 3 / 237.
([7]) نهج البلاغة: ك 18، 279.
([8]) ظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 4 / 348.
([9]) نهج البلاغة: خ 94، 97.
([10]) ظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 2 / 412.
([11]) خ 192، 212.
([12]) ظ: العين (مادة غرس): 4 / 376.
([13]) مقاييس اللغة: 4 / 417.
([14]) ظ: لسان العرب (مادة غرس): 5 / 3240.
([15]) لمزيد من الاطلاع ينظر: المعجم الاقتصادي في نهج البلاغة، للدكتورة سحر ناجي المشهدي، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص 266-270.