مِنَ الآيات المتعلقة بالإمام علي (عليه السلام) الحلقة (18): الدلالة القرآنية للفظة (خَصْمان) وما يتصل بها

مقالات وبحوث

مِنَ الآيات المتعلقة بالإمام علي (عليه السلام) الحلقة (18): الدلالة القرآنية للفظة (خَصْمان) وما يتصل بها

15 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 11-02-2026

بقلم: رضي فاهم عيدان

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله كما هو أهله وكما يستحقه حمدًا كثيرًا وأعوذ به من شر نفسي إنّ النفس لأمارةٌ بالسوء إلاّ ما رحم ربي، والصلاة والسلام على أشرف الخلق محمّدٍ الأمين وأهل بيته الطيبين الطاهرين.

إما بعد:
وردتْ هذه اللفظةُ في موردٍ آخر وهوَ قوله تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ  *  إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ } [ ص: 21- 22] ، وقد عبَّرَ فيها عن الخصم بالجمع، وهو مايُشيرُ إليه إسناد الواو إلى الفعل تسوروا وأعادَ اللفظَ عليه بالمثنى بقوله خصمان([1]) ، والحكَمُ في هذه الخصومةِ هو نبيُّ الله داود (عليه السلام) ، وتمتاّزُ الآيةُ مورد البحث أنّ الحكمَ فيها هو الله سبحانه وتعالى بقرينةِ تقسيم الخصمينِ إلى الذين كفروا والآخر الذين آمنوا وعملوا الصالحات وما أُعدَّ لهم من جزاء  .

والتعبيرُ باسمِ الإشارةِ للدلالةِ على كمالِ حضورِ المُشارِ إليه – بحسب الدلالة النحوية السابقة - أمرٌ شائعُ الاستعمالِ في التعبيرِ القرآني ؛ ومنه قوله تعالى: {قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا} [ طه: 63 ] ، أما استعمال اسم الإشارة ( هذا ) فهو أكثرُ من أنْ يُحصى ؛ ومنه قوله تعالى: {لَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ  * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}[ الأنعام: 76-78 ]  فكلَّما أرادَ المتكلم أن يجذبَ انتباهَ المخاطَب إلى أهميَّةِ الموضوع جعلَهُ حاضرًا لديه وأبرزهُ في غاية الكمال .

    وأفرزت الآياتُ الكريمةُ الآتية بعد الآية مورد البحث عددًا من الأحكام للـ(الذين آمنوا وعملوا الصالحات) تتضح في قولهِ تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ} [الحج: 23-24] وهي: أنَّ لباسَهم حريرٌ ويُحلَّونَ بالذهبِ واللؤلؤِ وقد وصلوا إلى طريق الهداية.
وقد منحَ سبحانَهُ الجزاءِ نفسَه مِنْ لِبسِ الحريرِ والذهبِ لِمن اصطفاهُ من عبادهِ وأورثَهُ الكتابَ كونه سابقًا للخيرات ولم يمنحهُ لغيره ، قال تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ  *    جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} [فاطر: 32-33 ]  وتماثلُ الجّزاءِ في الآيتينِ يشير إلى نوعِ العلاقةِ بين  ال{سابق بالخيرات} وطرفِ الحقِّ في الخصومةِ المُعبّرِ عنه بـ{ الذين آمنوا وعملوا الصالحات} بأن يكون من أبرز مصاديقه ، وهي سمةٌ جديدةٌ تُضاف الى ما اختَصَّ به الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأنَّهم ممن اصطفاهُ سبحانه وكانوا سابقين  بالخيرات .
وفي قوله {هُدوا} بُني الفعل للمفعول، فأُسند إلى الواو العائدة إلى {الذين آمنوا وعملوا الصالحات} ولم يُصرَّح بفاعلِ الهداية؛ وكأنَّ في هذا التعبيرِ من القوَّةِ ما يُبرزُ مَن أُسند إليه الفعل، بأنهم بذلُوا ما في وسعِهم واستحقُّوا أن يكونوا بمنزلة الفاعلين للهداية، قال المبرد(ت285هـ): ((وما لم يُسمَّ فاعلُه بمنزلةِ الفاعل)) ([2]) وهذه المنزلة وإن كانت من حيث الوظيفة إلا أنها لا تبتعد عن المعنى، وفي أسرار العربية ((إنْ قال قائلٌ لِمَ لَمْ يُسمَّ الفاعلُ؟ قِيل: لأنَّ العنايةَ قد تكونُ بذكرِ المفعولِ، كما تكونُ بذكرِ الفاعل)) ([3]) وقد تحققتْ الغاية بالبناء للمفعول.
ولم يُسند هذا الفعل (هدوا) لغير (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) ([4]) على مستوى الاستعمال القرآني؛ وفي إعادته في قوله تعالى: {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ} [الحج: 24]. ما يُؤكِّد تمكُّنِ الهداية فيهم ، وأنَّهم سبقوا غيرهم إليها ، ويلمح أيضًا إلى أنَّ اقترانَ الإيمانِ بالعملِ الصالح كان السببَ في هدايتِهم ووصولهم إلى غايتهم ، كما أنه يُضيف إليهم خصوصية وهي الوصول إلى غايتهم المنشودة قبل غيرهم ، قال أبو البقاء الكفوي : ((إنَّ فعلِ الهداية متى عُدِّي بإلى تضمنَ الإيصالَ إلى الغايةِ المطلوبة فأُتي بحرفِ الغاية )) ([5]). والصراط هو الطريق والحميد هو من أسماء الله الحسنى وكأنهم ساروا على طريق الله في كل ما صدر عنهم في الدنيا حتى بلغوا غايتهم في الآخرة.
ويخلص الباحث إلى أنَّ السمات الدلالية للفظة (خصمان) حدَّدت مدلولها من خلال النظر في سياق اللفظة قرآنيا وعلاقتها مع بقية الألفاظ في السياق نفسه ، وذلك بدلالتها على جماعةٍ حاضرة من الذين آمنوا وعملوا الصالحات من خلال اقترانها باسم الإشارة (هذان)،  وزاد في إيضاح معنى الخصومة  بين الفريقين جملة (في ربهم) وهو ما يعكس عمق الإيمان فيهم،  وهذه الجماعة هي ممن اصطفاها الله وسبقت إلى فعل الخيرات باعتبار التماثل في الجزاء الذي استعمله القرآن الكريم في آياتٍ مماثلة وتبرز خصوصية هذه الجماعة أيضًا باقترانها بالفعل (هدوا) منفردةً به، ليُضرب بها المثلُ في الوصول إلى طريق الهداية والفلاح) ([6]) . 

الهوامش:
([1]) ينظر: الكشاف : 4/ 79  .
([2]) المقتضب : 4/389 .
([3]) أسرار العربية :  88 .
([4]) ينظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم :  902 .
([5]) الكليات : القسم الخامس: 67 .
([6]) لمزيد من الاطلاع ينظر: الآيات المتعلقة بالإمام علي (عليه السلام)/ دراسة في ضوء المعنى النحوي الدلالي، تأليف: رضي فاهم عيدان، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص 139-142.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.4946 Seconds