فكر الإمام علي (عليه السلام) كما يبدو في نهج البلاغة الأنواع الأدبية في النهج وخصائصها التعبيرية - الخصائص الفكرية لخطب علي (عليه السلام) الجهادية

مقالات وبحوث

فكر الإمام علي (عليه السلام) كما يبدو في نهج البلاغة الأنواع الأدبية في النهج وخصائصها التعبيرية - الخصائص الفكرية لخطب علي (عليه السلام) الجهادية

3 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 22-02-2026

بقلم: د. جليل منصور العريَّض

الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم والثناء بما قدم والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطاهرين.

أما بعد:
إن هيمنة الدين على الجانب السياسي في فكر علي عليه السلام تحتم عليه اتخاذ مواقف دينية بحتة إزاء جميع الاحداث السياسية، فالمصدران الأساسيان لسياسته هما القرآن والسنة، ولو تأملنا في فحوى خطبه الجهادية كجانب من جوانب فكره السياسي لرأينا ان الدين هو المستحوذ على الأفكار فيها، على اعتبار انه القائد والإمام المنفذ لأحكام الدين، ورجل السياسة في آن واحد، فقوله في مطلع خطبة جهادية «أما بعد فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، فتحه الله لخاصة أوليائه...»([1]) هو تعبير عن فكر ديني نابع من إيمان متين وعقيدة صادقة بوجوب الجهاد كمطلب ديني مفروض على كل مؤمن قادر، لكونه الدرع الحمي لحياض الإسلام، واعتباره احد الابواب المشرعة إلى الجنة عند استشهاد المجاهد، طبقا لقو تعالى:

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾([2]). أما في حالة النصر فتكون النتيجة المغانم والعيش في ظل حياة كريمة خالية من كل قهر واستبعاد لما في الجهاد من قمع للمفسدين من أئمة الباطل والمتجبرين.

ومن خلال موقفه الديني من الجهاد فإنه يرى أن الحرب تحت أمرته هي من لب الجهاد انطلاقا من مكانته الدينية المتصلة اتصالا روحيا مباشرا برسول الله صلى الله عليه وآله كما في قوله ضمن خطبة جهادية «واعلموا أنكم بعين الله ومع ابن رسول الله»([3]). وهو ما يعني أن في مكانته تلك ما يضمن لمقاتلين في صفه الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة كما جاء في قوله «فاتقوا الله عباد الله وفروا إلى الله من الله، وامضوا في الذي نهجه لكم، وقوموا بما عصبه بكم فعلي ضامن لفلجكم آجلا، إن لم تمنحوه عاجلاً»([4])، فالنبرة الدينية الخالية من أية إغراءات مادية هي الركيزة التي يتكيء عليها فكر علي عليه السلام في خطبه الجهادية ولكن ذلك لا يعني اقتصارها على الجوانب التشريعية وخلوها من الجوانب العاطفية الوجدانية التي تضفي على اساليبها الحيوية، لأن الخصيصة التشريعية التي تنبني عليها خطبة الجهاد عادة ما تكون ممتزجة بوجدان علي عليه السلام ، تغترف معانيها من فكره الصافي ممتزجة بعاطفته الجياشة فتستحيل تعبيراتها إلى غذاء فكري ممزوج بنفحات روحية، إلا أن عنصر الوجدان في خطب علي عليه السلام الجهادية يسير في اتجاهين متقابلين تفرضهما طبيعة الاداء:

الاتجاه الأول: ويتمثل في انطلاق علي عليه السلام من ذاته إلى الموضوع العام: ويمكن ملاحظة ذلك في خطب الجهاد التي عادة ما يلقيها في الناس لحثهم على الجهاد أو لتقريعهم بسبب التواكل، وهو يرمي في الناحيتين إلى تهيئة النفوس للبذل والاستشهاد، دونما تردد، وهو في هذا الاتجاه يعمد إلى تناول عناصر الجهاد الدينية كحقائق ثابتة يعرفها المستمع، لكنها لا تثير في نفسه الحماس المطلوب المؤدي إلى الاستجابة لتعود اذنه على سماعها، فيسبغ عليها من ذاته ما يعيد إليها قيمتها التأثيرية، فقوله على سبيل المثال «والله مستأديكم شكره، ومورثكم امره، وممهلكم في مضمار محدود لتتنازعوا سبقه، فشدوا عقد المآزر واطووا فضول الخواصر، ولا تجتمع عزيمة ووليمة، ما نقض النوم لعزائم اليوم، وامحى الظلم لتذاكير الهمم»([5])، يحوي حقائق دينية فحواها وجوب شكر العبد ربه، ليكثر من نعمه وأفضله عليه، ويبوئه المكانة السامقة التي يتوق إليها في دنياه المؤقتة، التي شبهها بحلبة السباق، التي يتبارى فيها الخيرون في التسابق نحو الغاية المتمثلة في حياة الخلود، والفائز في هذا المضمار من يجاهد في سبيل الله، ويضحي بنفسه من أجل إحياء كلمة الله، وتوالي الأمثلة كرابط بين العمل وبين الجهاد من أجل حياة افضل، في مقابل التردد والخوف والركون إلى الدعة تعبر عن نفحات روحية صادرة من اعماق علي عليه السلام لتضفي على معاني الجهاد النبض الحي المتسامي، وتعيد نصاعتها في النفوس بعد ان كادت تضمحل أو تتلاشى، مع ملاحظة ان مثل هذا الاتجاه الصادر من الذات إلى الموضوع لا يمكن تتبعه إلا في خطب الجهاد المبينة اساليبها على الحض، أو عند التقاعس عن الاستجابة حيث تغدو الحقائق الدينية والقيم الأخلاقية هي المحاور التي يسبغ عليها من ذاته ما يعيد إليها تمثلها في النفوس، فتفاعل علي عليه السلام مع الكلمة واندماجه التام في موضوع الخطبة، هو من الصعوبة والعسر بما لا يمكن وصفه أو التعبير عنه لكونه إحساس نابض يجري في الكلمة كالتيار الكهربائي الذي نحسه. فالحقيقة بكل أبعادها متجسدة في قول علي عليه السلام «ولقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه  وآله، نقتل اباءنا وأبناءنا واخواننا واعمامنا، فما يزيدنا ذلك الا ايمانا وتسليما ومضيا على اللقم، وصبرا على مضض الألم، وجدا في جهاد العدو، فلما رأى الله صدقنا، أنزل بعدونا الكبت، وانزل علينا النصر، حتى استقر الإسلام ملقيا جرانه، متبوئا اوطانه، ولعمري، لو كنا نأتي بما اتيتم، ما قام للدين عمود ولا خضر للإيمان عود، وأيم الله لتحتلبنها دما، ولتتبعنها ندما»([6]). فالخطبة كوثيقة تاريخية، مبنية على حقائق لا يتطرق إليه الشك، ويكاد يعرفها معظم من كان يستمع إلى علي عليه السلام آنذاك، ولكن الجديد والمؤثر لا يكمن في الحقائق ذاتها، انما يكمن في أسلوب صياغتها في تعابير تجسد الماضي الحافل بالبطولات والفداء المقرونة بصدق العزيمة والإيمان المتين، والحاضر بما يكتنفه من ألم وتخاذل وخور يندى له الجبين خجلا ومستقبل ينطوي على توقعات رهيبة مقرونة بالمذلة والهوان، وقد يخوننا التعبير إذا حاولنا تمثل المعاني من دون أن نعيش انفعالات علي عليه السلام المتصارعة بداخله في أثناء خطبته في قوم كلت اسماعهم وماتت قلوبهم، وفتر حماسهم ودب الفشل في نفوسهم. فالمقصود بالذات هنا نفحات من الإيمان والأمل والحزن والسرور والخوف والإقدام، تنطلق من النفس بحرارة وصدق لتضفي على حقائق موضوع الجهاد من الحيوية ما يبعدها عن الرتابة، ويقربها إلى النفس سعيا وراء الاستجابة الطوعية ترغيبا أو ترهيبا.

الاتجاه الثاني: الانطلاق من الموضوع العام إلى الذات: أي الموضوع بتفاعلاته هو المحرك للذات، وبمعنى أدق أن علياg في هذا الاتجاه، لا يعمد إلى حقائق موضوعية يحاول إضاءة جوانبها بوجدانه، بقدر ما يعمد إلى مشاهد يستمد منها موضوع خطبته، فتنعكس هذه المشاهد على ذاته، فتحيل نفسه إلى ترجيحات متقابلة ومتتابعة بين فشل ونجاح وامل ويأس، على اعتبار ان الموضوع العام في مثل هذه الخطب هو المعركة بكل ابعادها القتالية والخطبة هي تصوير حقيقي وحَي لانفعالات علي عليه السلام ، لأنه يعيش المعركة بكل إحساساته، فالتأمل العقلي بالاتكاء على القواعد والقوانين والوعظ، يتلاشى تقريبا وتحل محله الذات التي يتوجه إليها موضوع الخطبة، لتكون هي محور الكلمة والأداة الفاعلة في تغذية المعاني ويمكن رصد هذا الجانب بكل ما ينطوي عليه من انفعالاته في خطب علي عليه السلام القصيرة التي يلقيها في مسامع جنده في أثناء المعركة، عند شعوره بأنهزام جيشه.

فحين استولى جيش الشام على شريعة الماء في بدايات حرب صفين وشاهد علي عليه السلام ما لحق بجيشه من هزيمة، قد تؤدي به إلى التشتت والنكوص، بادر جنده بالقول «قد استطعموكم القتال فاقروا على مذلة وتأخير محلة، أو روّوا السيوف من الدماء، ترووا من الماء، فالموت في حياتكم مقهورين، والحياة في موتكم قاهرين»([7]). فالموضوع المتمثل في الهزيمة استحال في وجدان علي عليه السلام إلى تفاعلات مؤلمة ذات طعم مر، مما جعل العبارات تنوء بحمل توجهاته النفسية، استحالت الحقيقة فيها إلى تفاعلات متقابلة تتعلق بذات الجندي ومصيره في ميدان القتال فحواها: أن يكون أو لا يكون، مما يحتم عليه المواصلة حتى النهاية بغض النظر عن القيمة الدينية أو المادية للجهاد، لذلك فإن الاستجابة للكلمة في مثل هذه المواقف سريعة لا تحتاج إلى تفكير أو تأمل، إذ سرعان ما نظم جنده ضفوفهم واستعادوا رباطة جأشهم بتمثلهم مصيرهم لو حاقت بهم الهزيمة، فاستعادوا بذلك مواقعهم على شريعة الماء بعد معركة حامية الوطيس الحقوا فيها بجيش العدو هزيمة منكرة.

وقد تكرر الموقف بصورة أكثر خطورة حين تراخت ميمنة جيش علي عليه السلام في احدى المعارك الحاسمة بصفين، وكادت المعركة تحسم لصالح معاوية، وذلك بسبب تخاذل أحد قادته لتواطئه مع معاوية([8])، ولكن سرعان ما كشف التواطؤ، فاستعادت الميمنة مواقعها، مما اعاد للجيش توازنه. فكان الموضوع هو محور الذات والمعبر عنها بها كما في قوله «وقد رأيت جولتكم وانحيازكم عن صفوفكم، تحوزكم الجفاة الطغام، واعراب أهل الشام، وانتم لهاميم العرب، ويآفيخ الشرف، والأنف المقدم، والسنام الأعظم، وقد شفى وحاوح صدري أن رأيتكم بآخرة تحوزونهم كما حازوكم، وتزيلونهم عن مواقعهم كما ازالوكم، حسنا بالنضال، وشجرا بالرماح، وتركب اولاهم أخراهم، كالأبل الهيم المطرودة ترمى عن حياضها وتذاد عن مواردها»([9]). فمشاهد انكسار الميمنة أثناء المعركة منطلقة كالسهام المتتابعة إلى اعمق اعماق علي عليه السلام، مرتجعة ثانية وبنفس القوة على شكل ايماضات محملة بألم الانهزام، ومن ثم توجهها إلى النفس بحرارة وحماس أثر تفادي الهزيمة ورجوعها على شكل اشعاعات سعيدة مكللة بالنصر، ممثلة بالفخر والحماس. فالذات في مثل هذه المواقف تستحيل إلى بوتقة تتشكل فيها عناصر الموضوع المنطلق إليها مباشرة من خلال التعايش معه والاحساس بعناصره، مما يجعل جانب الاستجابة، هو المالك لزمام الموقف، لعدم اتاحة الفرصة للتأمل، فالتأثر بالكلمة انفعالي فوري، اما في حالة الجانب الأول المتمثل في انطلاق الذات إلى الموضوع، فإن جانب التأمل الفكري في توازن مع الجانب العاطفي، ان لم يكن مسيطرا، بحيث ينتاب الاستجابة نوع من التروي قد ينزع بالإنسان إلى الاحجام والتردد لأن تمازج العقل بالعاطفة في فحوى التراكيب مهما كان قويا ومقنعا، فلن تبلغ الاستجابة فيه مبلغ التعابير الكامنة في موضوع اتخذ من العاطفة مرتكزا في أثناء تفاعل النفس مع الواقع العملي للقتال على ارض المعركة، حيث يكون المصير ماثلا للمحارب من جانبيه القتالي والخطابي، المتمثل في احساسات علي عليه السلام التي عادة ما تعكس الواقع من زاويتيه المتمثلتين في الحياة مع الذل، والموت مع الكرامة(([10]).

الهوامش:
([1]) خطب 27 ـ فقرة الأولى.
([2]) آل عمران /169.
([3]) خطب ـ56.
([4]) خطب ـ 24.
([5]) خطب ـ217ـ ومستأديكم شكره، طالب منكم أداء شكره، وأمره: سلطانه، ممهلكم في مضمار محدود: أي معطيكم مهلة في مضمار الحياة المحدودة، شدوا عقد المآزر: أي اربطوا مآزركم ربطا محكما، وهو كناية عن الجد والتشمير، لأن من أحكم ربط مئزره أمن انحلاله، واطووا فضول الخواصر: من ما فضل من مآزركم، قد يعيقكم بالتفافها على اقدامكم، فاطووها حتى تتمكنوا من الاسراع في عملكم، ولا تجتمع عزيمة ووليمة: والعزيمة الجد والاخلاص في العمل، والوليمة مأدبة الطعام، والمقصود من القول: لا يجتمع طلب المعالي مع الركون إلى اللذائذ، ما انقض: ما تعجبية، أي ما اشد نقض النوم لعزائم النهار بالنسبة للسائر الذي يعزم على قطع جزء من الليل في السير، فإذا حل الليل حل عليه النوم فنقض عزيمته، وامحى: فعل تعجب معطوف على انقض، والظلم: جمع ظلمة، ومتى حل الظلام محى من ذاكرة السائر ما عزم عليه بالنهار من مواصلة العمل أو السير.
([6]) خطب ـ 55ـ اللقم ـ فتح اللام والقاف: جادة الطريق، ومضض الألم ـ شدته وبرحاؤه. والكبت: الذل والهوان والخذلان. والجران ـ بكسر الجيم: مقدم عنق البعير، والقاء الجران كناية عن التمكن.
([7]) خطب ـ 51.
([8]) راجع ص 271 وما بعدها من هذا البحث.
([9]) خطب ـ 106 ـ والطغام ـ بفتح الطاءـ: أوغاد الناس. واللهاميم: جمع لهميم، وهو السابق الجواد من الخيل والناس. ويآفيخ: جمع يأفوخ، وهو من الراس حيث يلتقى عظم مقدمه مع مؤخره. ووحاوح: جمع وحوحة، صوت معه بحح يصدر عن المتألم، والمراد به احتدام الغيظ في النفس. والحس: ـ بفتح ـ القتل. والنضال: المباراة في الرمي. والشجر: ففتح الشين وسكون الجيم ـ الطعن. والهيم ـ بكسر الهاء ـ العطش. وتذاد: تدفع وتمنع.
([10]) لمزيد من الاطلاع ينظر: فكر الإمام علي عليه السلام كما يبدو في نهج البلاغة: للدكتور جليل منصور العريّض، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص 616-622.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.2321 Seconds