بقلم: د. سحر ناجي المشهدي
الحمد لله الأول قبل الإنشاء، والآخر بعد فناء الأشياء، أحمده استتمامًا لنعمته، واستعصاماً من معصيته، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على من اصطفى من الخلق أجمعين سيدنا ونبينا محمد وآل الطاهرين..
اما بعد:
تكرر هذا اللفظ أربع مرات في النَّهْج
دالاً على المعنى المجازي: وهو وحدة لقياس مساحة معينة، جاء مفرداً على كونه خبرا للفعل الناقص يكون المنفي بـ(لا) وذلك في قول الإمام (عليه السلام) في بيان خلقة الجرادة: «وَتَقْضِي مِنْهُ شَهَوَاتِهَا، وَخَلْقُهَا كُلُّهُ لاَ يُكَوِّنُ إِصْبَعاً مُسْتَدِقَّةً»([1])، وفيها بيان للتعجب من خلق الجرادة وهي مخلوق ضعيف حقير، فمن يشرح أوصافها لمن لم يرها ليعتقد أنَّ الموصوف بأوصافها لابدَّ أن يكون خاقاً عظيم الجثة قوي الهيكل فإن تبينَّ صغر حجمها زاد التَّعجب([2]).
وجاء مجموعا على زنة (أفَاعِل) وذلك في معرض بيان مقدار المسافة بين الحقِّ والبَاطِلِ: «أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ إِلاَّ أَرْبَعُ أَصَابِعَ» فسئل (عليه السلام) عن معنى قوله هذا، فجمع أصابعه ووضعها بين أذنه وعينه ثمّ قال: الْبَاطِلُ أَنْ تَقُولَ سَمِعْتُ، وَالْحَقُّ أَنْ تَقُولَ رَأَيْتُ»([3])، وهنا اشار الإمام إلى طرفة: فالحق هي العين لان كل ما تراه هو حق والباطل هي الأذن فكل ما تسمعه ليس بحق. وهذا من الكنايات العجيبة والإشارات الدقيقة التي لم يسبق بها، ولم يزاحم عليها([4]).
وهو مجاز استعاري جمع فيه بين الحق والباطل، وفيه يبيِّن أنَّ الباطل هو المسموع والحق مرئي امام الناس، فتسامح في التفرقة وذكر تعويلاً على الظهور، والحق والباطل وصفان للمخبر عنه لا الخبر([5])؛ لأن الحق واضح مرئي معروف لدى الناس جميعا، فهو غير خاف والناس تعرفه، وأكثرهم به كارهون، وعنه منحرفون
فالصَّاد والباء والعين أصل واحد، ثم يُستَعار. فالأصل إصبع الإنسان، واحد’ أصابعه. قالوا: هي مؤنثة. وقالوا: قد يذكر([6]).
والإصبع: يراد بها الجارحة، وهو من حيث الأساس 1/ 24 من الذراع. وهي وحدة للطول يراد بها في الأصل عرض إصبع الإنسان، كان العرب والمسلمون يتعاملون بها. وتتراوح بين (2ـ 3) ([7]).)([8]).
الهوامش:
([1]) نهج البلاغة: خ 185، 197.
([2]) ظ: منهاج البراعة: 11 / 27.
([3]) نهج البلاغة: خ141، 141.
([4]) ظ: الديباج الوضي: 3 / 1133.
([5]) ظ: منهاج البراعة: 8 / 349.
([6]) ظ: مقاييس اللغة: 3 / 331.
([7]) ظ: ألفاظ المقادير في العربية: 27.
([8]) لمزيد من الاطلاع ينظر: المعجم الاقتصادي في نهج البلاغة، للدكتورة سحر ناجي المشهدي، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص 326-328.