الدنيا في نهج الإمام علي (عليه السلام) الإمام علي (عليه السلام) يتوّعد الدنيا بالعقاب

مقالات وبحوث

الدنيا في نهج الإمام علي (عليه السلام) الإمام علي (عليه السلام) يتوّعد الدنيا بالعقاب

6 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 11-07-2026

بقلم السيد عبد الحسين الغريفي المشهدي

الحمد لله رب العالمين، ثم الصلاة والسلام على سيّد الخلق أجمعين سيدنا ونبيّنا أبي القاسم المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على اعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

وبعد:
إِلَيْكِ عَنِّي يَا دُنْيَا فَحَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ، قَدِ انْسَلَلْتُ مِنْ مَخَالِبِكِ، وَأَفْلَتْ مِنْ حَبائِلِكِ، وَاجْتَنَبْتُ الذَّهَابَ فِي مَدَاحِضِكِ، أَيْنَ الْقُرُونُ الَّذِينَ غَرَرْتِهِمْ بِمَدَاعِبِكِ؟! أَيْنَ الْأُمَمُ الَّذِينَ فَتَنْتِهِمْ بِزَخَارِفِكِ؟! هَا هُمْ رَهَائِنُ الْقُبُورِ وَمَضَامِينُ اللُّحُودِ.
وَاللَّهِ لَوْ كُنْتِ شَخْصاً مَرْئِيّاً، وَقَالَباً حِسِّيّاً، لَأَقَمْتُ عَلَيْكِ حُدُودَ اللَّهِ فِي عِبَادٍ غَرَرْتِهِمْ بِالْأَمَانِيِّ، وَأُمَمٍ أَلْقَيْتِهِمْ فِي الْمَهَاوِي، وَمُلُوكٍ أَسْلَمْتِهِمْ إِلَى التَّلَفِ، وَأَوْرَدْتِهِمْ مَوَارِدَ الْبَلَاءِ، إِذْ لَا وِرْدَ وَلَا صَدَرَ.
هَيْهَاتَ! مِنْ وَطِئَ دَحْضَكِ زَلِقَ، وَمَنْ رَكِبَ لُجَجَكِ غَرِقَ، وَمَنِ أَزْوَرَّ عَنْ حِبَالِكِ وُفِّقَ ، وَالسَّالِمُ مِنْكَ لَا يُبَالِي إِنَّ ضَاقَ بِهِ مُنَاخُهُ وَالدُّنْيَا عِنْدَهُ كَيَوْمٍ حَانَ أَنْسِلَاخُهُ.

 أَعْزُبِي عَنِّي! فَوَ اللَّهِ لَا أَذِلُّ لَكِ فَتَسْتَذِلِّينِي، وَلَا أَسْلَسُ لَكِ فَتَقُودِينِي([1]) .

شرح الألفاظ الغريبة:
إليك عني: اذهبي عني؛ الغارب: ما بين السنام والعنق، وقوله عليه السلام للدنيا: حبلك على غاربك، والجملة تمثيل لتسريحها تذهب حيث شاءت انسلّ من مخالبها: لم يعلق به شيء من شهواتها؛ الحبائل: - جمع حبالة - وهي شبكة الصيّاد؛ المداحض: المساقط والمزالق؛ المداعب: - جمع مَدْعبَة - من الدعابة، وهي المزاح؛ مضامين اللحود: أي الّذين تضمّنتهم القبور؛ المهاوي: - جمع مهوى -مكان السقوط، وهو من هوى يهوي؛ الوِرْد - بكسر الواو - ورود الماء؛ الصَدَر: - بالتحريك - الصدور عن الماء بعد الشرب؛ مكان دَخْض: - بفتح فسكون - أي زلق لا تثبت فيه الأرجل؛ زلق: زلّ وسقط؛ ازوَرّ: مال وتنكّب؛ مُنَاخه: أصله مبرك الإبل، من أناخ يُنِيخ، والمراد به هنا: مقامه؛ حان: حضر؛ انسلاخه: زواله؛ عزب يعزب: أي بعد؛ لا أسلس: أي لا أنقاد([2]).

الشرح:
تمثّل الدنيا بصورة من يعقل، وخاطبها بخطاب العقلاء ليكون ذلك أوقع في النفوس لغرابته.

ثمّ أمرها بالتنحّي والبُعد عنه كالمطلّق لها؛ وحبلك على غاربك: كناية عن الطلاق تمثيلٌ، وأصله: أن الناقة إذا أُريد إهمالها لترعى وضع حبلها على غاربها، فضرب مثلاً لكلّ من أُهمل وأُطلق عن الحكم.

ثمّ جعلها ذات مخالب استعارة بالكناية عن كونها كالأسد في جذبها للإنسان بما فيها من الشهوات والقينات إلى الهلاك الأبد كما يجرّ الأسد فريسته، وكذلك جعلها ذات حبائل، وكنّى بهذا الوصف المستعار عن كونها تصيد قلوب الرجال بشهواتها الوهميّة فهي لها كحبائل الصائد، واستعار لفظ مداحضها لشهواتها وملذّاتها أيضاً باعتبار كونها مزالق أقدام العقول عن طريق الله ومصارع لها، وعبّر بجميع ذلك عن زهده فيها وإبعادها فيها عن نفسه.

ثمّ أخذ في سؤالها عن القوم الذين غرتهم بمداعبها والأمم الذين فتنتهم بزخارفها سؤالاً على سبيل التوبيخ لها والذّم على فعلها ذلك بهم في معرض التنفير عنها، وهو من قبيل تجاهل العارف، واستعار لها لفظ المداعب جمع مدعبة بمعنى دعابة، ووجه المشابهة أنّها عند صفاء لذّاتها للخلق واغترارهم بها، ثمّ كرّرها عليهم بعد ذلك بالأمر الجد يشبه من يمزح مع غيره وينبسط معه بالأقوال والأفعال اللّيّنة ليغتّر به ، ثمّ يأتيه بعد ذلك بالأمر الجدّ فيؤدّيه أو يهلكه، وإنّما نسب الغرور إليها لكونها سبباً مادياً لذلك. وفي نسخة الرضي رحمه الله (غررتيهم) بإثبات الياء، ووجهه أنها حدثت من إشاع الكسرة.

ثم أشار إلى غايتهم التي صاروا إليها، وهي كونهم رهائن القبور ومضامين اللحود، ونبّه في ذلك على أن غرورهم وفتنتهم بما لم يخلصهم من هذه الغاية، كل ذلك لغرض التنفير عنها، و«ها» للتنبيه، واستعار لفظ الرهائن لهم باعتبار كونهم موثقين في القبور بأعمالهم كالرهن، ويحتمل أن يكون حقيقة، ويكون رهينة بمعنى راهنة وهي الأشخاص المقيمة بقبورها.

ثم أقسم أنها لو كانت شخصاً مرئياً وقالباً حسياً لأقام عليها حدود الله في عباد غرتهم بالأماني وأوردتهم موارد البلاء حيث لا ورد ولا صدر: أي أنّ تلك الموارد ليس من شأنها أن يكون إليها ورد وعنها صدر.
ثمّ لمّا كان في هذا الخطاب كالمعلم لها أنه قد اطلع على خداعها وغرورها قال كالمؤيس لها من نفسه «هيهات»: أي بعد اغتراري بك وركوني إليك.
تمّ نبّه على بعض العلل الحاملة على البُعد عنها والنفرة عن قربها وهي ما يلزم وطئ دحضها من الزلق، وركوب لججها من الغرق، والازورار عن حبائلها من التوفيق للسلامة، وما يلزم السالم منها من عدم مبالاته بضيق مناخه، وكل مناخ أناخ به من فقر وسجن ومرض وبلاء بعد السلامة منها فهو فسيح رحب بالقياس إلى ما يستلزم التفسح في سعتها والجري في ميادين شهواتها من العذاب الأليم في الآخرة وهي عنده في القصر وعدم الالتفات إليها كيوم حان انسلاخه .

وألفاظ المداحض واللجج والحبال مستعار لشهواتها ولذاتها.
فالأول: باعتبار كون شهواتها مظنة أن تحب فينجر الإنسان عند استعمالها إلى الاستكثار منها أو تجاوز القدر المعتدل إلى المحرّم فتزلّ قدم نفسه عن صراط الله فيقع في مهاوي الهلاك والمئاثم.

والثاني: باعتبار أن مطالبها والآمال فيها غير متناهية فمن لوازم المشتغل بها والمنهمك في الدنيا أن يغرق نفسه في بحر لا ساحل له منها فينقطع عن قبول رحمة الله إلى الهلاك الأبدي كالملقي نفسه في بحر لجي.

الثالث: باعتبار أن الإنسان إذا اغتر بها وحصل في محبة مشتهياتها عاقته عن النهوض والتخلص إلى جناب الله ومنعته أن يطير بجناحي قوته العقلية في حضرة قدس الله ومنازل أوليائه الأبرار كما تعوق حبائل الصائد جناح الطائر.

ولفظ الوطئ والركوب والزلق والغرق ترشيح: ثم كرر الأمر لها بالبعد عنه وأقسم أنه لا يذل لها فيستذله ولا يسلس لها قيادة فيقوده، وفيه تنبيه على أنها لا يذل فيها إلا من أذل نفسه وعبدها لها ولا يملك إلا قياد من أسلس لها قياده وهو ظاهر؛ إذ الإنسان مادام قامعاً لقوته الحيوانية مصرفاً لها بزمام عقله فإنه من المحال أن يذله الدنيا ويستعبده أهلها، ومهما اتبع شهوته فيما تمثل إليه فإنها تذله أشد إذلال وتستعبده أقوى استعباد كما قال عليه السلام: عبد الشهوة أذل من عبد الرق([3]).
واستعار وصف إسلاس القياد للتسهيل في متابعة النفس العاقلة للنفس الأمارة وعدم التشدّد في ضبطها باستعمال العقل عن متابعتها([4]))([5]).

الهوامش:
([1]) نهج البلاغة لصبحي صالح : ٤١٩ ضمن كتاب له عليه السلام إلى عثمان بن حنيف رقم ٤٥، ونهج البلاغة للشيخ العطار : ٥٥٧ / ضمن كتاب له عليه السلام رقم ٤٥، وشرح نهج البلاغة لابن ميثم ٥: ۱۰۱ ضمن كتاب له عليه السلام رقم ٤٤، ونهج البلاغة للشيخ محمد عبده ٢ : ٧٥ - ٧٦/ ضمن كتاب له عليه السلام إلى عثمان بن حنيف
([2]) شرح الألفاظ الغريبة: ٦٩٣ – ٦٩٤.
([3]) الحكم من كلام الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ٢: ١٤١/١٤.
([4]) شرح نهج البلاغة لابن ميثم ٥ ١١٤ - ١١٦ في شرح كتاب له عليه السلام إلى عثمان بن حنيف رقم ٤٤.
([5]) لمزيد من الاطلاع ينظر: الدنيا في نهج الإمام علي عليه السلام: السيد عبد الحسين الغريفي، ط: مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة: ص 389-385..

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1031 Seconds