فكر الإمام علي (عليه السلام) كما يبدو في نهج البلاغة/ أبرز الخصائص الفنية في نهج البلاغة 2ـ خصائص الصورة في نهج البلاغة

مقالات وبحوث

فكر الإمام علي (عليه السلام) كما يبدو في نهج البلاغة/ أبرز الخصائص الفنية في نهج البلاغة 2ـ خصائص الصورة في نهج البلاغة

7 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 11-07-2026

بقلم: د. جليل منصور العريَّض

الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم والثناء بما قدم والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطاهرين.

أما بعد:
من ابرز ما تتميز به الصورة في نهج البلاغة الربط المحكم بين التجسيد والحركة، أي أن الصورة متطورة من الداخل، إذ يشعر قارئها أو سامعها في قرارة نفسه بالمنظر المنساب في نسيج النص مقترنا بكل ما يحيط به من علاقات تختص به، بحيث يمكن للمتأمل فيه من خلال التعبيرات المشكلة لمعالمه ان يضع له تصورا كاملا في مخيلته على شكل لوحة متكاملة نابضة بالحياة، فمهما كان نوع العبارة التي يوظفها علي(عليه السلام) في تدبيج صوره، فإن احساساته المرهفة، وعواطفه الجياشة تضفى عليها من الصدق والحرارة والإيمان ما يمنحها استمرارية التأثير والتجسيد أطول مدة ممكنة، فالصورة في قوله لأصحابه «كم أداريكم كما تدارى البكار العمدة، والثياب المتداعية، كلما خيطت من جانب تهتكت من اخر»([1])، قد جمع شتاتها من عناصر مختلفة، لاءم فيما بينها، لما تمتاز به من خصائص تكاد تكون مطابقة للوقع الذي يشعر به في قرارته بجامع الصفات المظهرية التي تبهر وتغر إزاء الجوهر الزائف، في كل من رجاله الذين يحاول الاعتماد عليهم وبين ما تضمنه التعبير التصويري من الصفات المظهرية والخصائص الجوهرية، فجزئيات الصورة أثناء المشاهدة العادية قد لا تثير الانتباه، وإن عرف الناظر فيها ما في الابل من عيب، وما في الخرق البالية من عدم فائدة، إلا أن نظرة علي(عليه السلام) المتأملة في عمق خصائصها في أثناء انقداح فكره، قد بث فيها الحيوية والتجسيد، جراء ادخالها في مقارنة تتناسب وخصائصها، وتلك من مميزات العبقرية التي «تجد الصورة المعمول فيها كلما كانت اجزاؤها اشد اختلافا في الشكل والهيئة، ثم كان التلاؤم بينها مع ذلك اتم والائتلاف ابين، كان شأنها اعجب والحذق فيها اوجب»([2]). فقد لاءم علي (عليه السلام) في الصورة بين الخرق المتداعية والجمال المعيبة رغم اختلاف عناصر الصورتين.

فالصورة في النهج متألقة دائما من حيث البناء الفني والثراء الإيحائي في جميع الاغراض مهما كان نوع عناصرها المكونة، ففي موضوع الزهد المستوعب للكثير من النصوص فيه، يصور علي(عليه السلام) الدنيا ـ من وجهة نظره ـ بصورة في منتهى البشاعة والتقزز في قوله «والله لدنياكم هذه اهون في عيني من عراق خنزير في يد مجذوم»([3]) فقد لاءمت الصورة بين كرش الخنزير وهو اكره الحيوانات وانجسها من وجهة نظر الإسلام، وبين ماسكه المصاب بداء الجذام، مما احال تلك الملائمة إلى منظر يقشعر له البدن، وتتقزز منه النفس وقد استطاعت تلك الصورة البشعة ان توصل إلى السامع أو القاريء القيمة الحقيقة للدنيا كما يراها علي(عليه السلام)، بالممازجة بين عنصرين غاية في الغرابة والبعد هما (عراق الخنزير ويد المجذوم).

وفي تصويره لتقاعس أصحابه ضمن لومهم وعتابهم يقول «ما يدرك بكم ثار ولا يبلغ بكم مرام، دعوتكم إلى نصرة أخوانكم، فجرجرتم جرجرة الجمل الأسر، وتثاقلتم تثاقل النضو الأدبر، ثم خرج الي منكم جنيد متذائب ضعيف»([4])، فالصورة لم تقتصر على إبراز النواحي المادية المنظورة، فقد قرنها علي(عليه السلام) بالصوت المقرون بالحركة، كتعبير عن معاني التخاذل والخنوع والخوف والذل، كل ذلك بالممازجة بين الأشياء المادية والمشاعر المعنوية بإضافة الجرجرة إلى الجمل الاسر تصويرا للغط تلك النفوس الخاوية المريضة وضوضائها وملاحقة لتجسيد ذلك التخاذل بألوان قاتمة ورد التصغير في السياق موصوفا بالضعف لإبراز معاني التحقير والازدراء التي تتزاحم بها نفسه، مما اكسب الصورة كل الأبعاد الإيحائية التي كانت نفس علي(عليه السلام) ترزح تحت وطأتها في أثناء تفاعله مع الموقف وبلورته في افكار. فالتركيب داخل الصورة من الدقة ما يجعله يستقصي كل ما تحتاجه من جزيئات لتوظيفها في اطار الفكرة، فهي بمثابة اللوحة البالغة التكثيف في نقلها لتصورات علي(عليه السلام) النفسية في أثناء ابتعاث الكفرة من أعماقه، فهي تتميز بإبداع يجعلها مهما تناهت في جمع شتات الجزئيات المحسوسة وتمكين الخيال من تجميعها في إطار واحد، إلا أنها خاضعة لسلطان العقل مستكنة في الفكرة المحورية للنص)([5]).

الهوامش:
([1]) خطب ـ68ـ. والبكار: على وزرن كتاب: جمع بكر، الفتي من الابل. والعمدة: بفتح العين وكسر الميم التي تأثر سنامها من الداخل من أثر الركوب ويبدو سليمة في مظهرها.
([2]) الجرجاني ـ أسرار البلاغة ص136.
([3]) حكم 235ـ. والعراق: بكسر العين، العرق الخبيث وهو من الحشا من فوق السر معترضا البطن. والمجذوم: المصاب بوباء الجذام، هو من أخطر الأوبئة المعدية ومن مظاهره تساقط أطراف الجسم.
([4]) خطب ـ 39ـ والجرجرة: صوت يصدره البعير من حنجرته تعبيرا عن الألم أو احتجاجا عند عسفه. والجمل الأسر: المصاب بداء السريرة وهو وجع يأخذ البعير في مؤخرة كركرته من دبره، أو قرح يكاد ينقب جوفه. والنضو: المهزول من الأبل. والأدبر: المصاب بالدبرة قروح أو جروح في ظهر الجمل وسنامه، يستعصي معها استخدامه للركوب.
([5]) لمزيد من الاطلاع ينظر: فكر الإمام علي عليه السلام كما يبدو في نهج البلاغة: للدكتور جليل منصور العريّض، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص 712-714.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.0928 Seconds