دور السجاد (عليه السلام) بين الداعي والتأصيل

122 2019-04-11


 

 دور السجاد (عليه السلام) بين الداعي والتأصيل

 

 

خُطَى الخزاعي

 

 

عبق ريحانة رسول الله، وبقيته من أهل بيته، نتاج كلمة التوحيد، وفرع شجرة النبوة، رابع أعمدة الهدى، وسادس الصفوة المعصومة الطاهرة، علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(صلوات الله وسلامه عليه)، نالت الدنيا شرف مقدمه المبارك في حياة جده أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) في(الخامس من شعبان بالمدينة سنة ثمانٍ وثلاثين للهجرة، فأدرك من حياة جده أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) سنتين)([1])، وعليه حين شهد كربلاء كان في الثالثة والعشرين من عمره الشريف، عاش الإمام زين العابدين (صلوات الله وسلامه عليه) في مدة إعداده وإمامته ظروفًا موضوعية متسارعة نوعًا ما، امتازت بطابع التعقيد والاختلاف، فأسهمت تلك الظروف مُحَدِّدَةً ملامح دوره الإلهي ورسم تفرده، الذي يمكن أن ينظر إليه من جهات متعددة منها:

 

1/ ترميم التشيع وتأهيله من جديد، بعد تعرضه لأعتى حملات التصفية والإبادة، فمن المعلوم أنَّ العدو الأموي في كربلاء قد أباد الشيعة المبرزين من أنصار أبي عبد الله الحسين (صلوات الله وسلامه عليه)، الذين كانوا يمثلون ثقل المذهب وواجهته بعد الإمام، إضافة إلى ما مُنِيَ به المذهب من فقد للنفوس المؤمنة جراء السياسة الأموية القاضية بتعقب الشيعة أينما حلوا والقضاء عليهم على الظن والتهمة، وهذا الإجراء قد أسهم بشكل كبير في تمزق الجسد الشيعي وخلوه من الكوادر وأصحاب المهمات والتبليغ عن المعصوم، إذ يُذكر (أنَّ جميع الناس ارتدوا بعد قتل الحسين إلا الخمسة، أبو خالد الكابلي ويحيى بن أم الطويل وجبير بن مطيع وجابر بن عبد الله والشبكة زوجة الحسين بن علي)([2])، فهل يمكن لأحد أن يتصور بعد هذا الكلام كيف ستكون صعوبة مَهمة الإمام (صلوات الله وسلامه عليه)؟ وماهي حجم المعوقات التي ستكتنف تلك المهمة؟ فكان الإعداد لمرحلة البناء والتأسيس من أول أولويات مهام إمامنا السجاد (صلوات الله وسلامه عليه)، فأعاد بتدابيره المسددة للتشيع روحه ورونقه بعد أن شارف على الاحتضار، وكانت أحدى اجراءاته بهذا الصدد دورات التربية والتأهيل للجموع الكبيرة من العبيد والإماء، إذ دأب (صلوات الله وسلامه عليه) على شراء الرقيق بكثرة واستمرار، غارسًا فيهم روح الدين مُعَلِّمًا ومُرَبيًا، وما إن يراهم قد وصلوا مرحلة التأهيل المطلوبة يعتقهم ويبثهم في المجتمع حاملين مهمة التثقيف عنه (صلوات الله وسلامه عليه)، مؤسسًا للبناء ومن ثم القيام من جديد .

 

2/ اضطلاعه بمهمة الإعلام العاشورائي، بوصفه شاهدًا للحدث وموثقًا للمجريات، واستثماره لقضية كربلاء ومظلومية أهل البيت (صلوات الله وسلامه عليه) في التبشير بالمذهب الحق، وانتشال المضللين والمغرر بهم إلى دين الله، إذ وظَّف الحق المتجلي في الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) وصراعه مع الباطل المتمثل بجهة بني أمية، في التعريف بمن الأولى بالاتباع، وتعرية بني أمية وكشف جرائمهم ووحشيتهم، وقد تبنى هذا الدور (صلوات الله وسلامه عليه)، مباشرة بعد استشهاد أبيه (صلوات الله وسلامه عليه) وانضمامه لرحلة السبي والتنقل في البلدان وقد نقل أنَّه (لما جيء بعلى بن الحسين صلوات الله عليه، أسيرا، فأقيم على درج دمشق، قام رجل من أهل الشام فقال: الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم وقطع قرن الفتنة، فقال له علي بن الحسين ( صلوات الله عليه) : أقرأت القرآن؟ قال: نعم، قال: قرأت آل " حم " ؟ قال: نعم، قال: قرأت القرآن ولم أقرأ آل " حم " قال: قرأت" قل لا أسألكم عليه اجرا الا المودة في القربى"؟ قال: أأنتم هم؟ قال: نعم)([3])، ممارسًا لدور الهداية مرتقيًا منبر عاشوراء وحاملًا رايته، وقد وردت له خطب تحكي هذا الدور بتفصيله، فضلًا عن اتخاذه البكاء على سيد الشهداء منهجًا، يروج به قضية عاشوراء ويؤصل ديمومتها في نفوس المسلمين.    

 

3/ معالجة الفساد الفكري، والانحراف العقائدي الذي ساد ما يسمى بالوسط الإسلامي بعد واقعة كربلاء، إذ بدأت حملة تضليلية كبرى طال العقيدة سهمها الأوفر، إذ شرعت السلطة الأموية بمعية وعّاظها، بالقضاء على الفكر والمتبنيات الدينية الحقة إلحاقًا بجريمة تصفية النخب والكفاءات، وذلك بتبني بعض الآراء واثارتها بين العوام كمسألة الجبر الإلهي، التي أسس لها معاوية إذ نقل عنه قوله: (أنا عامل من عمال الله اعطي من أعطاه الله وأمنع من منعه الله ولو كره الله أمرا لغيره)([4])، فيرمون تبعات جرائمهم على الله تعالى بوصفه أنَّه قد قضاها وقدرها، فأُنعشت تلك المقولة الكفرية بعد كربلاء وتصدرت أحاديث المنتمين للسلطة والعوام، فلم يكن خَلَف معاوية بأقل منه حاجة إلى مثل هذه الأباطيل لشرعنة جرائمه التي يندى لها جبين الجريمة نفسه، فتصدى الامام زين العابدين (صلوات الله وسلامه عليه) لهذا الانحراف العقائدي في قعر سلطان عبيد الله بن زياد حين سأله: (من أنت؟ قال: أنا علي بن الحسين، قال: أو لم يقتل الله علي بن الحسين؟ قال: كان أخي، وقد قتله الناس، قال: عبيد الله بن زياد؛ بل قتله الله فقال علي (عليه السلام): "الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها")([5])، مفنِّدًا تلك الأباطيل، كان هذا على مستوى الدفاع عن حياض العقيدة أمَّا على مستوى المبادرة، فقد قدَّم (عليه السلام) المبادئ الحقة بقالب جديد لم يطرق من ذي قبل، ألا وهو الصحيفة السجادية زبور آل محمد، التي زيَّنها ظاهرًا بالدعاء والمناجاة و وضمَّنها محتوىً بدين متكامل ذي مضامين عالية في العقيدة والآداب والاخلاق.

 

وبهذا الاجمال ندرك ما قدمه إمامنا السجاد (صلوات الله وسلامه عليه) من دور متشعب وحساس، قد تكفل بحفظ دين الله ووصوله للناس، لندرك ماذا يعني وجود الامام بالنسبة للدين وهل من الممكن أن يصل الدين بلا إمام من الله، فمعرفة أدوراهم (سلام الله عليهم) تقود إلى معرفتهم ومعرفتهم تؤدي إلى مودتهم المنصوص عليها، وبمودتهم المستبطنة اتباعهم تكون النجاة في الدار الآخرة. فجزاهم الله عنا عناء التبليغ والمواصلة وما تحملوه في هذا السبيل من قتل وتشريد وتضييق خير الجزاء وأفضله وأكمله.

 

الهوامش:


[1])) ينظر: رسائل آل طوق القطيفي، أحمد بن الشيخ صالح آل طوق القطيفي، المتوفى بعد (1245ه): 4/81

[2])) مجالس المؤمنين، الشوشتري ، المجلسي الخامس : 144

[3]))  عمدة عيون صحاح الاخبار في مناقب إمام الأبرار، ابن البطريق، (المتوفى 600ه):52

[4])) التحفة العسجدية، الإمام يحيى بن الحسين، المتوفى(298ه):2-3

[5])) ينظر: شرح الأخبار، القاضي النعمان المغربي، (المتوفى363): 3/157

 

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك