الحياة الزَّوجيَّة على وفق تعاليم الدين الإسلامي.

مقالات وبحوث

الحياة الزَّوجيَّة على وفق تعاليم الدين الإسلامي.

الحياة الزَّوجيَّة على وفق تعاليم الدين الإسلامي.

 

البَاحِث: سَلَام مَكِّيّ خُضَيّر الطَّائِيّ.

 

الحمد لله ربّ العالمين، والصَّلَاة والسَّلَام على أشرف الخلق أجمعين مُحَمَّد وآله الطَّيّيبين الطَّاهرين، واللعن الدَّائم على أعدائهم وقاتليهم إلى يوم الدِّين، وبعد:

 

إنَّ للحديث عن موضوع الحياة الزَّوجيَّة رونقاً خاصّاً يميزه عن غيره، فإن الحياة الزوجية أبدى لها الدِّين الإسلامي أهمية كبيرة لدورها الفعَّال في بناء المجتمع الإسلامي، يعدُّ الزوجان ركناً أساسيّاً من أركان تكوين الأسرة الناجحة الصَّالحة وذلك بتفاهمهما واتفاقهما فيما بينهما وحبهما لبعضهما، وبتركهما الأمور التي تعكّر مسار حياتهما، فالأسرة هي النواة الأساسيّة في بناء المجتمع، والرَّافد الأساسي الذي يرفد هذا المجتمع بالأفراد الصَّالحين، الذي يكون نتاج هذا التفاهم والتعاطف والتراحم بين الزوجين وإدراكهما أهمية أمر هذه الحياة التي من خلالها تتحقق سعادة كلّ منهما ويشعر أحدهم عندما يكون قريباً من الآخر بالطمأنينة والأمان والسَّكينة ويصبح بعيدًا عن همومه ومجرَّدًا منها ولا يفكر بأي شيء إلَّا فيما يرضي الله تعالى، وكيفية تهيئة الأجواء المناسبة من أجل الحفاظ على هذا التماسك الأسري بينهما، فإنّ تلك الحياة هي إحدى آيات الله تعالى إذ إنَّه قال: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾[1].

 

ومن أجل الحفاظ على ديمومة تلك السعادة الحاصلة بين الزوجين أكدّ القرآن الكريم والسُّنَّة النَّبويّة الشَّريفة على الحقوق والواجبات للزوجين، فلكل واحد منهما له حقوق وواجبات على شريكه الآخر في الحياة الزَّوجيّة.

فمن الحقوق والواجبات الشَّرعيَّة للزَّوج على زَوجته وهو ما جاء به القرآن الكريم، أن يكون للرَّجل حق على زوجته مثلما لها حقّ عليه، قال الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾[2]، فعلى الزَّوجة أن تكون مطيعة لزوجها وأن تؤدي ما عليها من واجبات شرعية اتجاه الزوج، ومشاركته بمهام الحياة كقيامها بخدمته وتربيتها للأطفال تربية صالحة سليمة وفق تعاليم الدين الإسلامي والعناية بهم، والتزامها بما يطلبه منها زوجها ولا تخالف فيما يرضي الله عزَّ اسمه، وعدم خروجها من بيتها من دون اذنه، وكذلك أن تحاول قدر امكانها أن تخلق أجواء مناسبة لزوجها عند عودته إلى بيته بعد الانتهاء من العمل لتوفير مستلزمات الحياة الأسرية من مأكل وملبس وغيرها من الأمور المهمّة في الحياة.

 

فإن فعلت الزَّوجة هذا كلّه وأدَّت هذه الحقوق الزوجية لزوجها وحاولت التخفيف عن كاهله من متاعب الحياة ومشاكلها اليومية ورضي عنها، فلها أجر كبير وعظيم على هذا، فروي عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (طوبى لامرأة رضي عنها زوجها)[3].

فالمرأة التي لا تطيع زوجها وتغضبه وتقصر معه ولا تؤدي ما عليها من حقوق شرعية اتجاهه وتهجره ظلماً، فسوف تنال عذاب الله يوم القيامة ويحشرها مع من عصاه في الدّرك الأسفل من النَّار، فروي عن أمير المؤمنين عَلَيّ بن أبي طالب (عليه السَّلَام)، قال: (سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وآله يقول: أيما امرأة هجرت زوجها وهي ظالمة له، حشرت يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون في الدرك الأسفل من النَّار، إلَّا أن تتوب وترجع)[4].

 

أمَّا حقوق المرأة على زوجها فهي لا تختلف عن أهمية حقوق الزوج عليها، فيجب على الَّزوج أن يوفر لزوجته حياة كريمة وأن يعطيها حقوقها كاملة ولا يقصّر معها قدر إمكانه، وأن يعامله معاملة لطيفة فقال الله (عزَّ وجلّ) في محكم كتابه العزيز في هذا الشَّأن: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾[5]، فالمرأة حازت على  رقة القلب والعاطفة الكبيرة والرحمة ولا يجب أن تتحمل أكثر مما تحمله طاقتها على عكس الرَّجل[6]، فأكّد الدّين الإسلامي والسُّنَّة النَّبويّة على الرّفق بها واكرامها، وأن يكمن لها في داخله الحبّ والعاطفة، وأن ينفق ويوسع عليها ويوفّر لها المأكل والمسكن والعيش الرَّغيد والملبس وغيره من النفقات الزَّوجيّة الأخرى، وأن يحاول اسعادها قدر إمكانه وأن ينفِّه عنها لما تتحمله من متاعب البيت ورعاية الأطفال، وعدّهما الرَّسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله)، أحد الضّعيفين فروي عنه أنَّه قال: (اتقوا الله في الضعيفين: اليتيم والمرأة، فإنَّ خياركم خياركم لأهله)[7]، وأن يعفو عن  بعض أخطائها إن حدث منها خطأ اتجاهه ويغض البصر عنه، إكراماً ولأنَّ النّساء ضعيفات القوى والأنفس فروي عن الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام)، أنَّه قال: (لاَ تَهِيجُوا النِّسَاءَ بِأَذىً، وَإِنْ شَتَمْنَ أَعْرَاضَكُمْ، وَسَبَبْنَ أُمَرَاءَكُمْ، فَإِنَّهُنَّ ضَعِيفَاتُ الْقُوَى وَالأنْفُسِ وَالْعُقُولِ)[8]، وحذَّر الرَّسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله)، من معاملة الزَّوجة معاملة سيئة، فروي عنه أنَّه قال: (ألا وإن الله ورسوله بريئان ممن أضرّ بامرأة حتى تختلع منه)[9]، وكذلك أكَّد الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام) على معاملتها معاملة لينة، وأن لا يتعدى على كرامتها، وأن يكون موفراً لها ما تحتاج من أمور الحياة الزَّوجية، فوصفها على أنَّها ريحانة وليست بقهرمانة، فقال (عليه السَّلَام)، في رسالة إلى ابنه الإمام الحَسَن المُجْتَبَى (عليه السّلَام): (لا تملك المرأة من الأمر ما يجاوز نفسها، فإن ذلك أنعم لحالها، وأرخى لبالها، وأدوم لجمالها، فإن المرأة ريحانة وليست بقهرمانة، ولا تعد بكرامتها نفسها)[10]، والرّيحانة: هذه من النباتات الجميلة جداً التي تملأ المكان عطراً جميلاً وهذه النبتة لا تتحمل الهجر والتعب وغيره، وهي ليست بقهرمانة: أي أنَّ هذه الزَّوجة  تقوم بخدمة زوجها وأطفالها في المنزل وبالتالي يكون تعبها هباءً منثوراً أي أنّها لا تجد في قلب زوجها العطف والحنان والحبّ والاحترام لها، وهذا من الأمور التي نهى عنها الشارع الإسلامي والدَّليل عليه ما تقدَّم من أحاديث للرَّسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله)، والإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام).

هذا وكثير من الآيات القرآنية وأحاديث النَّبوّية وأحاديث أهل البيت (عليهم السلام) تخصُّ الحياة الزوجية وحقوق الزَّوجين، ولكن لا يسع المجال لذكرها، وهذا شيء مختصر منها.

وفي الختام أن الحمدُ لله ربّ العالمين، والصَّلَاة على أشرف الخلق أجمعين مُحَمَّد وآله الطَّيِّبين الطَّاهرين.

 

 

 

الهوامش:

[1] سورة الروم، الآية (21).

[2] سورة البقرة، الآية (228).

[3] جامع الأحاديث للسيّد البروجردي: 20/322.

[4] مكارم الأخلاق للشَّيخ الطّبرسيّ: 202.

[5] سورة النّساء، الآية (19).

[6] ينظر: بحوث في الفقه المعاصر للشيخ حسن الجواهري: 6/366.

[7] قرب الإسناد للحميري القُمّيّ: 92.

[8] الكافي في الفقه لأبي الصَّلَاح الحلبيّ: 255.

[9] الأسرة وقضايا الزَّواج للدكتور علي القائمي: 139.

[10] الوافي للفيض الكاشاني: 22/800.

 

المقالة السابقة المقالة التالية

Execution Time: 0.1001 Seconds