عليٌّ يصف رسول الله

93 2018-11-08


عليٌّ يصف رسول الله

 

الباحث: عمار حسن الخزاعي

 

الحمد لله ربِّ العالمين وصلَّى الله على سيدنا ونبينا محمَّدٍ وآله الطاهرين...

 

الكلام في شخص رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يحتاج إلى معرفة بيان ودقَّة نظر فضلًا عن العمق الديني والمعرفي، إذ كيف لأحدٍ أن يتكلَّم بمن جعله الله تعالى سيِّد الخلق أجمعين من آدم إلى يوم الدِّين، ومهما حاز الخيال من بُعدٍ، ومهما توسَّعت المدارك، ومهما حوى القلم من ألق الكلمات فإنَّها تظلُّ عاجزةً جميعها أمام نور الوجود محمَّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن هنا عوَّلت على نور آخر لا يقلُّ نوره عن نور المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم)، ألا وهو الوصي علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فنستعين بضوء كلماته التي وصف بها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في نهج البلاغة، والمقام لا يسع لكلِّ ما قاله عليٌّ (عليه السلام) ولذلك سنختار بعض الشذرات منه على وفق المحاور الآتية:

 

أصله ومعدنه:

 

اختار الله تعالى نبيَّه من خير الأسر، وهي أسرة بني هاشم التي ذاع صيتها في مكَّة المكرَّمة وبين العرب جميعًا، وهذه الأسرة عُرفت بإيمانها بالله تعالى، والتزامها بشريعة التوحيد التي ورثتها من جدِّها إبراهيم (عليه السلام)، فكانوا هكذا إلى أن بُعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فكانوا أوَّل من التفَّ حوله عدا بعض الشواذِّ منهم، فكانت أسرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خير الأسر على الاطلاق، ومنها فرع غصنه (صلى الله عليه وآله)، وفي ذلك يقول أمير المؤمنين علي (عليه السلام): ((حَتَّى أَفْضَتْ كَرَامَةُ اللهِ سُبْحَانَهُ إِلَى مُحَمَّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فَأَخْرَجَهُ مِنْ أَفْضَلِ الْمَعَادِنِ مَنْبِتاً، وَأَعَزِّ الأرُومَاتِ مَغْرِساً، مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي صَدَعَ مِنْهَا أَنْبِيَاءَهُ، وَانْتَجَبَ مِنْهَا أُمَنَاءَهُ، عِتْرَتُهُ خَيْرُ الْعِتَرِ، وَأُسْرَتُهُ خَيْرُ الأسَرِ، وَشَجَرَتُهُ خَيْرُ الشَّجَرِ نَبَتَتْ فِي حَرَم، وَبَسَقَتْ فِي كَرَم، لَهَا فُرُوعٌ طِوَالٌ، وَثَمَرٌ لاَ يُنَالُ))([1]).

 

صفاته شخصيته:

 

يصف أمير البيان علي بن أبي طالب (عليه السلام) شخصية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيقول: ((فَهُوَ إِمَامُ مَنِ اتَّقَى، وَبَصِيرَةُ مَنِ اهْتَدَى، وسِرَاجٌ لَمَعَ ضَوْؤُهُ، وَشِهَابٌ سَطَعَ نُورُهُ وَزَنْدٌ بَرَقَ لَمْعُهُ; سِيرَتُهُ الْقَصْدُ، وَسُنَّتُهُ الرُّشْدُ، وَكَلاَمُهُ الْفَصْلُ))([2]).

فرسول الله (صلى الله عليه وآله) إمام لكلِّ متَّقٍ وقدوة لمن يريد أن يتَّقي، وهو بصيرة الهادي، والشهاب اللامع لمن يريد أن يستضيء به.

 

شجاعته وقوة بأسه:

 

كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في منتهى الشجاعة والإقدام، إذ يجعل نفسه في أوِّل صفوف المعركة فيكون أقرب أصحابه إلى العدو، ولم يكن منزويًا في مكانٍ ما ينظر من بعيد غير مكترث لأتباعه، وقد وصف أمير المؤمنين (عليه السلام) ذلك بقوله: ((كُنَّا إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَّا أَقْرَبَ إِلَى الْعَدُوِّ مِنْهُ))([3])، ولم يكن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مضحيًا بنفسه دون أصحابه فقط، وإنَّما كان يقدِّم أهل بيته وعشيرته على أصحابه إذا اشتدَّت المعركة، وقد أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى ذلك بقوله: ((وَكَانَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله) إذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ، وَأَحْجَمَ النَّاسُ، قَدَّمَ أَهْلَ بَيْتِهِ فَوَقَى بِهِمْ أَصَحَابَهُ حَرَّ السُّيُوفِ وَالأسِنَّةِ، فَقُتِلَ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ يَوْمَ بَدْر، وَقُتِلَ حَمْزَةُ يَوْمَ أُحُد، وَقُتِلَ جعفر يَوْمَ مُؤْتَةَ، وَأَرَادَ مَنْ لَوْ شِئْتُ ذَكَرْتُ اسْمَهُ مِثْلَ الَّذِي أَرَادُوا مِنَ الشَّهَادَةِ، وَلكِنَّ آجَالَهُمْ عُجِّلَتْ، مَنِيَّتَهُ أُجِّلَتْ))([4]).

 

زهده في الدنيا:

 

رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع ماله من كرامةٍ على الخلق أجمعين كان زاهدًا في الدنيا، ولم تبسط الدنيا له زينتها وزخارفها؛ بل زوِيت عنه بإرادته واختياره، وفي ذلك يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): ((وَلَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله) كَاف لَكَ فِي الأسْوَةِ، وَدَلِيلٌ لَكَ عَلَى ذَمِّ الدُّنْيَا وَعَيْبِهَا، وَكَثْرَةِ مَخَازِيهَا وَمَسَاوِيهَا، إِذْ قُبِضَتْ عَنْهُ أَطْرَافُهَا، وَوُطِّئَتْ لِغَيْرِهِ أَكْنَافُهَا، وَفُطِمَ مِنْ رَضَاعِهَا، وَزُوِيَ عَنْ زَخَارِفِهَا))([5]) .

 

وفاته:

 

يصف أمير المؤمنين (عليه السلام) رزية وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعظمتها فيقول: ((بِأَبِي أَنْتَ وأُمِّي، لَقَدِ انْقَطَعَ بِمَوْتِكَ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ بِمَوْتِ غَيْرِكَ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالانْبَاءِ وأَخْبَارِ السَّماءِ، خَصَصْتَ حَتَّى صِرْتَ مُسَلِّياً عَمَّنْ سِوَاكَ، وَعَمَمْتَ حَتّى صَارَ النَّاسُ فِيكَ سَواءً، وَلَوْ لاَ أَنَّكَ أَمَرْتَ بِالصَّبْرِ، وَنَهَيْتَ عَنِ الْجَزَعِ، لأنْفَدْنَا عَلَيْكَ مَاءَ الشُّؤُونِ، وَلَكَانَ الدَّاءُ مُمَاطِلاً، وَالْكَمَدُ مُحَالِفاً، وَقَلاَّ لَكَ وَلكِنَّهُ مَا لاَ يُمْلَكُ رَدُّهُ، وَلاَ يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ))([6])، وقال عليه السلام) أيضًا: ((إِنَّ الصَّبْرَ لَجَمِيلٌ إِلاَّ عَنْكَ، وَإِنَّ الْجَزَعَ لَقَبِيحٌ إِلاَّ عَلَيْكَ، وَإِنَّ الْمُصَابَ بِكَ لَجَلِيلٌ، وَإِنَّهُ قَبْلَكَ وَبَعْدَكَ لَجَلَلٌ))([7]).

السلام عليك يا رسول الله أبدًا ما بقيت الدُّنيا والآخرة.

 

الهوامش:

([1]) نهج البلاغة: 182 – 183 .

([2]) نهج البلاغة : 183 .

([3]) نهج البلاغة: 731 .

([4]) نهج البلاغة: 731 .

([5]) نهج البلاغة : 302 .

([6]) نهج البلاغة: 500 .

([7]) نهج البلاغة: 740 .

 

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك