المعايير التّربويَّة في فكر أمير المؤمنين عَلِيّ بن أبي طالب (عليه السَّلَام)، حُسْن التَّربيَّة أنموذجًا

مقالات وبحوث

المعايير التّربويَّة في فكر أمير المؤمنين عَلِيّ بن أبي طالب (عليه السَّلَام)، حُسْن التَّربيَّة أنموذجًا

345 مشاهدة

المعايير التّربويَّة في فكر أمير المؤمنين عَلِيّ بن أبي طالب (عليه السَّلَام)، حُسْن التَّربيَّة أنموذجًا
البَاحِث: سَلَام مَكِيّ خضيّر الطَّائِي
الحمدُ لله ربّ العالمين، والصَّلَاة والسَّلَام على أشرف الخلق والمُرسَلِين، أبي القاسِمِ مُحَمَّدٍ وآله الطَّيِّبين الطَّاهرِين، واللّعن الدَّائِم على أعدائِهم أجمعين إلى قيامِ يوم الدِّين...
امَّا بعد...
فإنَّ من طالع كلام أمير المؤمنين عَلِيّ بن أبي طالب (عليه أفضل الصَّلَاة والسَّلَام)، متمعِّنًا به، فإنَّه سيجده مليئًا بالمعايير التَّربويَّة واساسيَّات القواعد التي تبنى عليها، لإنشاء جيلٍ صالح يُعتمد عليه في قيادة المجتمع الإسلامي وعدم التّخوّف منه حين تسنّمه الأمور القيّاديَّة للبلد.
فمن هذه المعايير: (حُسْن التَّربيَّة).
فالترَّبيَّة بمفهومها اللغويّ: هي التَّغذيَّة الرُّوحيَّة، فيقال: وربيته تربية غذيته، وهو لكل ما ينمي كالولد والزرع[1]، أي: من تغذى هذه التَّربيّة وكانت تربية صالحة حسنة، نشأ نشأة صحيحة، مهذَّبة من الشوائب التي تعكّر طريقه وتقف عائقًا بينه وبين تحقيق النَّجاح وسبله، وهذه التَّربيّة التي تعطى للوليد من أبويه، يجب أن تكون تربية صحيحة غير خارجة عن مسير التربيَّة الإسلاميَّة، ويتوجَّب على من يقوم بتربية الأبناء أن يجعل تربيتهم مؤطَّرة بالإطار الإسلامي، وهذه التَّربيّة الحسَنَة من واجب الوالدين معًا ومن مسؤوليتهم على وجه الخصوص، ومن حقوق الأبناء عليهما، وهذا ما نجده في فكر الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام)، حين قال في حقّ الولد على الوالد: (حَقُّ الْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدِ، أَنْ يُحَسِّنَ اسْمَه، ويُحَسِّنَ أَدَبَه ويُعَلِّمَه الْقُرْآنَ)[2].
ويمكن لنا تحديد مرحلة الطّفولة عند الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام) عن طريق كلامه حول التّطوّر الذّهنيّ والجسديّ للإنسان، إذ يقول (عليه السَّلَام)[3]: (إنَّمَا الغُلامَ إنَّما يَثَّغِرُ في سَبعِ سِنينَ، ويَحتَلِمُ في أربَعَ عَشرَةَ سَنَةً، ويَستَكمِلُ طولُهُ في أربَع وعِشرينَ سَنَةً، ويَستَكمِلُ عَقلُهُ في ثَمان وعِشرينَ سَنَةً، وَمَا كَانَ بَعدَ ذلِكَ فَإِنَّما هُوَ بِالتَّجارِبِ)[4] .
اذاً فمرحلة الطفولة تبدأ من بداية تكوّن الإنسان في رحم الأُمّ إلى ما قبل بلوغ سن الخامسة عشرة من عمره، مع الأخذ بنظر الاعتبار الفرق بين الذكور والاناث[5]، وذلك لأنَّ البلوغ لدى الذّكور يتحقّق إذا بلغ خمس عشرة سنة قمرية من عمره، أمَّا بالنّسبة للإناث فيكون تحقق البلوغ في سن التَّكليف الشَّرعيّ بالنسبة لها، إذا أنهت تسع سنين قمرية من عمرها[6]، ويصبح الإنسان ناضجًا في سنِّ الثّمان والعشرين من عمره، وما يكون بعد هذا العمر فممكن الاستعانة بالخبرات والتّجارب الحياتيَّة التي مرّ بها الفرد، لانتهاج منهج صحيح لتربية الأبناء تربية صالحة.
ماهيَّة التَّربيَّة الحسِنة وأساليبها مع الأبناء:
فبعد أن بانَ لنا أمر المراحل العمريَّة للإنسان، فلابد من وجود أساليب تربويَّة تستعمل في تغذية الأبناء التَّربيَّة الحَسِنة، وتقبّل هذا الأسلوب التَّربويّ، بصورة طبيعيَّة من دون حدوث معاناة مع الآباء تجاه تربية الأبناء، فالإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام) يُعطينا منهاجًا نسير عليه في كيفية تربية الأبناء، فروي عنه (عليه السَّلَام) أنَّه قال: (ولدك ريحانتك سبعًا، وخادمك سبعًا، ثم هو عدوّك أو صديقك)[7]، أي نفهم من مفردات هذا القول: أنَّ المعاملة تكون مع الوليد في بداية مرحلة الطفولة، معاملة برفقٍ ولين وبشفَّافية، ليست معاملة خشنة، فهذه المعاملة يكون فيها مراعاة للحالة النَّفسيَّة للطّفل والمرحلة العمريَّة التي هو فيها، ويكون التَّأديب في هذه المرحلة بالكلام الطَّيّب الحَسِن، واعطائه بعض الدروس الدِّنيّة والأخلاقية في كيفية تعلّمه التَّعامل باحترام مع من هو معه في المُحيط العائلي، وتربيته وتعليمه على كيفية أداء الواجبات الشَّرعيَّة وإن كان غير مكلف فيها، ولا يُعامل بالكلام الخشن والزَّجر، فروي عن الإمام عَلِيّ بن أبي طالبٍ (عليه أفضل الصَلَاة والسَّلَام) أنَّه قال: (أَدّب صغار أهل بيتك بلسانك على الصَّلَاة والطّهور...)[8].
وعند تجاوزه هذه المرحلة من العمر، يصبح نوعًا ما قد اكتسب وتعلَّم بعض الأمور، ويمكن لحسن معاملة الوالدين إليه أن تجعله ينعكس إيجابيًّا على والديه، فيصبح طفلًا سويًّا يلبّيّ ما يؤمر به من قبل والديه، ويصبح مطيعًا لهما كالخادم، أمَّا إذا لم يُطِع والديه فيما يرضي الله تعالى، فيقول الإمام (عليه السَّلَام): (... فإذا بلغوا عشر سنين فاضرب ولا تجاوز ثلاثًا)[9]، أي: أنَّ الضّرب فقط يكون فيه للتأديب لا للقسوة عليه.
وهناك التفاته لطيفة من الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام)، وهي: إنَّ هذا الوليد إذا تغذَّى بالتربيَّة الحَسِنة والرّعاية والعناية اللّطيفة ممَّن وجب عليه تربيته، أصبح إنسانًا ناجحًا، وإلَّا فلا، فيقول الإمام (عليه السَّلَام): (... ثم هو عدوّك أو صديقك)[10].
فهنا أصبح الأمر لنا واضحًا، بالنّسبة للمراحل العُمريَّة التي يمر فيها الوليد، حين وصوله مرحلة البلوغ، وكيفية أسلوب التعامل مع الأطفال وماهيته على وفق ما رسمه لنا الإمام (عليه السَّلَام).
وأن الحمدُ لله ربّ العالمين، وصلَّى الله تعالى على سيّدنا مُحَمَّد وآله الطَّيِّبين الطَّاهِرين، واللّعن الدَّائِم على أعداِهم إلى قيامِ يوم الدِّين، إنَّه سميعٌ مُجيب...
الهوامش:
[1] مجمع البحرين، الشَّيخ فخر الدِّين الطّريحي: 1/175.
[2] نهج البلاغة، خطب الإمام عَلِيّ بن أبي طالب (عليه السَّلَام)، تحقيق: د. صبحيّ الصَّالح: 546.
[3] يُنظر: حقوق الإنسان عند الإمام عَلِيّ بن أبي طالب (عليه السَّلَام) رؤية علميَّة، د. غسان السَّعد، ط2، 2008م: 270.
[4] مستدرك الوسائل، ميرزا حسين النُّوريّ الطَّبرسي: 1/85-86.
[5] حقوق الإنسان عند الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام): 170.
[6] يُنظر: الفتاوي الميسَّرة، السَّيِّد عَلِيّ الحُسَيني السِّيستانيّ: 28-29.
[7] شرح نهج البلاغة، ابن ابي الحديد المعتزلي: 20/343.
[8] الحقوق الاجتماعيَّة، مركز الرّسالة: 87.
[9] المصدر نفسه: 87.
[10] شرح نهج البلاغة، ابن ابي الحديد المعتزلي: 20/343.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1313 Seconds