علاقة نور فَاطِمَة بعرش الله - الحلقة الرابعة

مقالات وبحوث

علاقة نور فَاطِمَة بعرش الله - الحلقة الرابعة

862 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 18-02-2020

السَّيد نبيل الحسني.
الحلقة الرَّابعة: ماهي الحكمة في جعل طعَّام نور فَاطمة التَّسبيح والتَّهليل، والحاجة إلى الطَّعام من لوازم البدن؟
ما زال النَّاس لم يفرقوا بين نور فاطمة (عليها السلام) وبين نفس فاطمة الإنسية التي بين ظهرانيهم حتى مع ذلك البيان الذي قدمه النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولذلك: نجدهم يسألون النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) عن طعام فاطمة (عليها السلام) حينما كانت في حقة تحت ساق العرش على الرغم من أن منطلق حديث النَّبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كان عن نور فاطمة (عليها السلام).
إلا أن السؤال – وكما قيل: ربَّ ضارة نافعة – كان نافعاً جداً؛ إذ جاء الجواب النبوي ببيان جديد يكشف عن حقيقة أخرى من حقائق شأن فاطمة ومنزلتها عند الله تعالى.
فقال صلى الله عليه وآله وسلم رداً على سؤالهم عن طعام فاطمة (عليها السلام)، إنه:
((التسبيح، والتهليل، والتحميد)).
والسؤال الذي يفرض نسفه في هذا الموضع، هو: ما هي الحكمة في جعل طعام نور فاطمة (عليها السلام): التسبيح، والتهليل، والتحميد؛ والحاجة إلى الطعام من لوازم البدن؟
والإجابة هي:
أولا: لم يزل الناس – كما أسلفت – لم يفرقوا بين نور فاطمة (عليها السلام) ونفسها الإنسية فذهبوا بهذه العلة إلى السؤال عن طعام فاطمة، بلحاظ أنها إنسية، ومن لوازم وجودها الطعام، في حين كان جواب النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) يعيد الأذهان إلى جادة التفكير الصحيح فيَّقوم لهم المنهج التفكيري فيجيبهم بأن طعامها التسبيح والتهليل والتحميد؛ وإن هذا الطعام يختلف عن طعام الإنس، لأن الإنسان يحتاج إلى ما تنبته الأرض، وإلى اللحوم، والماء، ليتناسب ذلك مع طبيعة بدن الإنسان ومادته.
أما التسبيح والتهليل والتحميد فهو من لوازم عالم الأمر، عالم الجنة، والنور، والسماء، ولذلك فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يحدثهم عن نور فاطمة وليس عن إنسية فاطمة (عليها السلام).
ولكن يبقى السؤال قائما لماذا استخدم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نفس الرؤية التي تبادرت في ذهن الناس فبين لهم أنها كانت تُطْعَمْ، وطعامُها من نوع خاص يتلاءم مع ذلك العالم؟
بمعنى آخر: كان بالإمكان أن يرد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على سؤالهم بأنها لم تكن بحاجة إلى طعام لأنها من النور، والحاجة إلى الطعام من لوازم الحياة لأنه يدل على النمو والزيادة.
ثانيا: وهناك سؤال آخر، وهو: أن هذا التسبيح والتهليل والتحميد لا يرقى بها إلى التفاضل بلحاظ محدودية المنزلة والشأنية التي عليها في عالم النور والأرواح، قبل خلق آدم.
وحيث إنها لا تحتاج إلى النمو والزيادة لكونها نوراً فهي بذاك لا تحتاج إلى طعام.
بمعنى آخر: يحتاج عباد الله تعالى إلى التعبد وذكر الله لغرض الارتقاء وزيادة الأجر والثواب والتفاضل – عند ذلك – في المنازل الأخروية أما قبل ذلك، أي قبل خلق آدم (عليه السلام) فهذا التسبيح والتهليل لا يزيد في شأنيه فاطمة بحيث ترتقي إلى مقام أسمى مما هي فيه فقد جعل الله سبحانه الإمام علياً (عليه السلام) أفضل منها وجعل رسوله المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) سيد خلقه وأفضل أنبيائه ورسله.
وعليه: ما هي الحاجة إلى ذلك التسبيح والتهليل؟ ولماذا جعله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بصفة الطعام؟
أولاً: إنّ التفاضل في العبادة من لوازم عالم الدنيا عالم التكليف أما قبل ذلك فقد كان من لوازم العبودية المحضة لله كتعبد الملائكة فهم لا يتفاضلون بعبادتهم لأنهم جبلوا على ذلك خلقوا لهذا العمل، وعليه كان ذكرهم لله في مقام العبودية المحضة المنزهة من الشهوات الدنيوية والابتلائية.
ثانياً: إن حال فاطمة هنا يختلف؛ إذ إنّ تسبيحها وتهليلها وتحميدها لله عز وجل كان بمنزلة القيمومية وليس النمو؛ بمعنى آخر: إنّ هذا النور يكون قائماً ومتوهجاً ومضيئاً ومشرقاً من خلال التسبيح لله تعالى وتهليله وتحميده جلت قدرته.
أي إن قوامه كان بهذه الأذكار كما أن قوام المصباح يكون بالزيت، فالمصباح يحتاج إلى الزيت لا لكي ينمو ويزداد حجمه وإنما يحتاج إليه لقيموميته.
ولذلك نجد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أجاب السائلين بالرؤية الذهنية نفسها التي نطقها سؤالهم إليه، فقالوا: ((يا نبي الله فما كان طعامها))، وهو في الوقت نفسه كشف لهم عن حقيقة خلقها وفضلها ومنزلتها عند الله تعالى، وانها تضيء عند عرشه عزَّ شأنه وهو ما أتسق سبكاً وحبكا وقصدية مع قوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}[1].
الهوامش:
[1] سورة النور، الآية: 35.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1740 Seconds