من عوامل اصلاح الحاكم في عهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر (رضوان الله عليه): 3. أن يكون الحاكم مانعاً نفسه من المعاصي

مقالات وبحوث

من عوامل اصلاح الحاكم في عهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر (رضوان الله عليه): 3. أن يكون الحاكم مانعاً نفسه من المعاصي

450 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 16-02-2022

بقلم: د. عبد الزهرة جاسم الخفاجي

الحمد لله حمد الشاكرين، والشكر لله شكر الذاكرين، والصلاة وأتم التسليم على خاتم النبيين محمد وآله الطيبين الطاهرين، وبعد.
وبعد:
لقد ورد في العهد الشريف الذي كتبه الإمام علي عليه السلام لمالك الأشتر رضوان الله عليه لما ولاه مصر جملة من العوامل التي تحدد صلاح الحاكم، ومنها:
أن يكون الحاكم مانعاً نفسه من المعاصي:
 «فليكن أحب الذخائر اليك العمل الصالح». يؤكد الإمام علي (عليه السلام) في صلاح الراعي على العمل الصالح ويوصي مالكاً بان يكون أحب ما يكتنزه في حياته، لان العمل الصالح إذا اجتمع مع الإيمان في شخص نفذ حب ذلك الشخص إلى قلوب الناس وحظي بالقبول في أوساط رعيته إن كان راعيا، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾[1].
وخير من جسد الإيمان المقرون بالعمل الصالح هو الإمام علي (عليه السلام) ولذلك يذهب المفسرون إلى أنّ هذه الآية قد نزلت بحقه[2].

وبين (عليه السلام) مقومات العمل الصالح للإنسان قائلاً:
«فاملك هواك». وفي اللغة: «الهَوى مقصوراً: هَوَى النَّفْس، وإِذا أَضفته إِليك قلت هَوايَ، والهَوى: العِشْق يكون في مداخل الخير والشر، والهَوِيُّ: المَهْوِيُّ، وهَوى النفسِ: إِرادتها والجمع الأَهْواء»[3].
وقال الراغب: «الهوى: ميل النفس إلى الشهوة، ويقال ذلك للنفس المائلة إلى الشهوة وقيل: سمي بذلك؛ لأنه يهوي بصاحبه في الدنيا إلى كل داهية وفي الآخرة إلى الهاوية، والهوي: سقوط من علو إلى سفل»[4].
في الاصطلاح: الهوى «ميلان النفس إلى ما تستلذه من الشهوات من غير داعية الشر»[5]. أما المراد باتباع الهوى في الاصطلاح الشرعي «فهو السير وراء ما تهوى النفس وتشتهي أو النزول على حكم العاطفة من غير تحكيم العقل أو الرجوع إلى شرع أو تقدير لعاقبة»[6].

والهوى واحد من أهم نوازع الإنسان الداخلية التي تلعب دوراً كبيراً في إفساد حياة الإنسان فتكون حائلاً بينه وبين الهداية. ولا يعني نهي الإسلام الإنسان عن اتباع الهوى، أنه أراد حرمانه من التمتع بالملذات أو منعه من إشباع غرائزه؛ فـ «الناس أبناء الدنيا ولا يلام الرجل على حب أمه»[7]. وإنما أراد له أنْ يمتلك إرادته في التحكم برغباته وميوله حتى يستطيع توجيهها في الطريق السليم دون أن يطلق لها العنان فتصبح مدمرة بدل أن تكون نافعة له وللجميع وقد أشار الله تعالى لما يترتب على اتباع الهوى فقال تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ..﴾[8].
وتحكّم الإنسان في هواه يؤكد لديه صفة الإنسانية لأن الذي يَملِكَهُ هواه لايختلف عن الحيوان لقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾[9].

فالهوى حجاب بين المرء والواقع ومن يملكه هواه لا يرى الأمور إلا بما يتناسب مع رغباته وإنْ كان ذلك يخالف الواقع وبذلك فإنّه يغيب عقل الإنسان ويفسده بإبعاده عن الواقع. وقد بين الامام علي (عليه السلام) دور الهوى في تغييب العقل في مناسبات عدة فقال: «العقل صاحب جيش الرحمن والهوى قائد جيش الشيطان والنفس متجاذبة بينهما فايهما غلب كانت في حيزه»[10] و «سبب فساد العقل الهوى»[11] ويبين (عليه السلام) أثر الهوى على العقل فيقول: «لاعقل مع هوى»[12].
فاتباع الراعي هواه يعني وجود والٍ يدير الأمور بغير عقل. ويربط الإمام (عليه السلام) بين العدل وعوامل النفس كالهوى والعاطفة فيقول: «أما بعد فإن الوالي إذا اختلف هواه منعه ذلك كثيراً من العدل فليكن أمر الناس عندك في الحق سواءاً، فإنّه ليس في الجور عوض عن العدل فاجتنب ما تنكر أمثاله»[13].
وكان أكثر ما يخشاه الإمام علي (عليه السلام) اتباع الانسان هواه فقد قال: «إنّ اخوف ما أخاف عليكم إثنان، اتباع الهوى وطول الأمل، فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق»[14].
واتباع الهوى يعمي البصيرة وهو واحد من المهلكات التي أشار إليها رسول الله (صلى الله عليه واله) بقوله: «ثلاث مهلكات: شحٌّ مطاع وهوى متبع واعجاب المرء بنفسه» وقد أشار الله تعالى إلى خطورة اهواء النفس بقوله تعالى: ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ﴾[15].
مما تقدم فإنَّ الإمام عليّاً (عليه السلام) أراد أن يربي ولاته على الفضيلة وأن يعمل كل واحد منهم لخدمة رعيته، أن يكونوا أحراراً لاتستعبدهم الشهوات، ولايتحكم فيهم الهوى فينحرفوا عن جادة الحق وأن يخلصوا العبادة لله وحده مع أنه لم يطلب منهم ترك الدنيا وإنما أمرهم أن يأخذوها برفق بالطريقة التي تجمعها بالآخرة. وقد ضرب لهم من نفسه اُنموذجاً مع علمه أنّ أحداً لايستطيع أن يبلغ مبلغه حتى وإن كان من أصحابه فقال يحثهم على الاقتداء به: «أَلاَ وَإِنَّ إِمَامَكُمْ ‏قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ، وَمِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ.
أَلاَ وَإِنَّكُمْ لاَ تَقْدِرُونَ عَلَى ذلِكَ، وَلكِنْ أَعِينُوني بِوَرَع وَاجْتِهَاد،وَعِفَّة وَسَدَاد ‏فَوَاللهِ مَا كَنَزْتُ مِنْ دُنْيَاكُمْ تِبْراً، وَلاَ ادَّخَرْتُ مِنْ غَنَائِمِهَا وَفْراً، وَلاَ أَعْدَدْتُ لِبَالِي ثَوْبِي طِمْراً»[16][17].

الهوامش:
[1]  مريم: 96.
[2]  ينظر: التستري، نور الله الحسيني المرعشي (ت1019م) أحقاق الحق وازهاق الباطل 3/85.
[3]  لسان العرب، مادة: هـ وى51/ 4728.
[4]  الراغب، أبو القاسم الحسين بن محمد (ت502هـ) المفردات في غريب القرآن، تحقيق: محمد سيد كيلاني، بيروت، دار المعرفة، ص 548.
[5]  لتعريفات، علي بن محمد بن علي الجرجاني، 1 / 320، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 1405هـ، تحقيق: إبراهيم الأبياري.
[6]  محمد نوح، آفات على الطريق1/ 192.
[7]  صبحي الصالح، نهج البلاغة، ص529.
[8]  المؤمنون: 71.
[9]  الفرقان: 43، 44.
[10]  الآمدي، ناصح الدين أبو الفتح عبد الوحد (ت550هـ) غُرَر الحِكَم ودُرَر الكَلِم، تدقيق: عبد الحسن دهيني، بيروت، دار الهادي، ط1- 1992م، ص48.
[11]  م. ن. ص226.
[12]  م. ن. ص430.
[13]  صبحي الصالح، نهج البلاغة، ص449.
[14]  شرح النهج، 1/218.
[15]  محمد: 14.
[16]  صبحي الصالح، نهج البلاغة، ص417.
[17] لمزيد من الاطلاع ينظر: صلاح الراعي وإصلاح الرعية قراءة في عهد الإمام علي عليه السلام إلى مالك الأشتر رضوان الله عليه: للدكتور عبد الزهرة جاسم الخفاجي، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص63 – 69.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1693 Seconds