من ألفاظ التجارة في نهج البلاغة: الادِّخَـار

مقالات وبحوث

من ألفاظ التجارة في نهج البلاغة: الادِّخَـار

465 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 23-02-2022

بقلم: الدكتور سحر ناجي المشهدي

الحمد لله الأول بل الإنشاء، والآخر بعد فناء الأشياء، أحمده استتمامًا لنعمته، واستعصاماً من معصيته، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على من اصطفى من الخلق أجمعين سيدنا ونبينا محمد وآل الطاهرين..
وبعد:
ورد هذا اللفظ خمسَ مرات في النَّهْج ودلَّ على معنيين: 
1) المعنى الحقيقي (المادي):  ورد في كلام الإمام (عليه السلام) على زنة (إفْتَعَلَ)  هذه الصِّيغة تدلُّ على طلب الشَّيء بالجهد والعمل،  والمعاناة،  والمبالغة في إحداث الفعل،  والتحايل في إيقاعه،  وعليه فالفعل (إدَّخَـرَّ)  فيه مبالغة،  وإخفاء الأمر عن أعين الناس،  وولاة الأمور،  وإعمال الجهد في الإكثار من المادة المُدَخَرة،  فضلاً عن دلالة صوت الخاء الذي يدلّ على الامتلاء والكَثرة،  فلفظة (ادَّخَر) فيها كثرة،  وجهد،  وتحايل،  وإخفاء للأمر،  ودلالة الخاء،  ودلالة التشْدِيد في (إدّخَر)،  وما فيه من زيادة على الحدث.
  وقد جاء الفعل الماضي من مادة (دَخـَر) مرة واحدة، وذلك في كتاب الإمام (عليه السلام) للقاضي شريح قائلاً له: «وَمَنْ بَنَى وَشَيَّدَ، وَزَخْرَفَ وَنَجَّدَ، وَادَّخَرَ واعْتَقَد»[1].
  والمراد بالاعتقاد إدِّخار المَّال لمجرد الكنز والتكديس، فكلّ مَن بنى جِدارًا من حرام، واكتسب دِرْهَمَا من غير حلٍ، قام حجاباً بينه وبين الموت[2].  وعلى وفق قانون (المماثلة الرجعية التقدمية)  * فـ(ادِّخَار)   حدث فيها تغير.  فالأصل فيه (ذّخّرّ)   على زنة (فَعَلَ)،  واذْتَخَرَ على زنة (إفْتَعَلَ).

اذتخار (افتعال)                          اذدخار

   ذ      +     ت                            ذ   +    د

مجهور     مهموس (مماثلة رجعية) /  مجهور   مجهور

اذتخار                                  ادِّخار   قلبت فاء (إفْتَعَلَ) ذال فأثرت الدال في الذال وهي مماثلة مدبرة رجعية

ذ (رخو) + د (شديد)              د (شديد)  + د   (شديد)

  والمصدر منه معَرَّفا بـ(ال) ورد معطوفاً على الجمع مجرورا: «أَلاَ لاَ ذَا وَلاَ ذَاكَ! أَوْ مَنْهُوماً بِالَّلذَّةِ، سَلِسَ الْقِيَادِ للشَّهْوَةِ، أَوْ مُغْرَماً بِالْجَمْعِ وَالاْدِّخَارِ»[3].
فللشهوات تأثيرها السلبي في الاقتصاد في ضوء سبل الإنفاق المنحرف.
وصيغة الفعل الماضي المتصل بتاء الفاعل وردت مرة واحدة في قوله: «فَوَاللهِ مَا كَنَزْتُ مِنْ دُنْيَاكُمْ تِبْراً، وَلاَ ادَّخَرْتُ مِنْ غَنَائِمِهَا وَفْراً، وَلاَ أَعْدَدْتُ لِبَالِي ثَوْبِي طِمْراً»[4]. 
  فهو قادر على جمع المَّال، والذي بين يديه يوزعه على المحتاجين، ولا ادَّخر منه لنفسي وأهلي قليلا ولا كثيرا[5].
2) المعنى المجازي: ورد في كلام الإمام (عليه السلام) الفعل المضارع المتصل بواو الجماعة، مرة واحدة، وذلك في كتاب الإمام (عليه السلام) إلى عماله على الخَراج قائلاً: «وَلاَ تَدَّخِرُوا أَنْفُسَكُمْ نَصِيحَةً»[6]،  تناصحوا بالحق، وتواصوا بالتقوى[7].
وجاء الفعل المضارع (ندَّخرُ) مسندا الى جماعة الغائبين ورد مرة واحدة في قوله (عليه السلام): «وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ، شَهَادَةً مُمْتَحَناً إِخْلاَصُهَا، مُعْتَقَداً مُصَاصُهَا، نَتَمَسَّكُ بها أَبَداً ما أَبْقانَا، وَنَدَّخِرُهَا لاِهَاوِيلِ مَا يَلْقَانَا»[8].
لكنَّ (إدّخَرَ) أقوى في الاستعمال من (إذَّخَر) وهذا ما نجده في النَّهْج، وهذا ما إختاره العربي فقد إستعمل الدَّال ولم يستعمل الذال؛ لقرب مخرج الدَّال من الخاء، في حين أنَّ الذال أبعد مخرجًا من الخاء، وهذا ما دعا لسان العرب الى النطق بأقصر قفزة، فصعوبة الخاء باجتماعها مع الذال، أمَّا الدَّال أسهل منه.
 ومن الملاحظ في المعجمات اللغوية أنّ معنى اللفظة (الذّل)،  إذْ يقول ابن فارس: « الدَّال والخاء والراء أصلٌ يدلٌ على الذٌل.  يُقال دَخَر الرًجل، وهو داخر، ذا ذَلً.  وأدْخرَه غيره: أذلـًه»[9].
  ويقال: مَرّ صَاغِرا داخِرا. وأدخره الله. وتقول: الأوّل فاخر والآخر داخِر[10].[11].
  قال (عليه السلام) في خطبته التي بين فيها مواعظا للناس قائلا فيها: «وَنَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، شَهَادَتَيْنِ تُصْعِدَانِ الْقَوْلَ، وَتَرْفَعَانِ الْعَمَلَ، لاَ يَخِفُّ مِيزَانٌ تُوضَعَانِ فِيهِ، وَلاَ يَثْقُلُ مِيزَانٌ تُرْفَعَانِ مِنُهُ»[12].
فالثِّقل هنا: قول الشهادتين والعمل الصالح، وكونهما صادرتين من صميم القلب واليقين فحينئذ تصعدان الكلمات الطيبات، فلهما أثرهما في ثقل الميزان ورفعه[13].
فالميزان هنا لا يراد منه الآلة المعروفة، وإنَّما قصد منه معنى العدل، والإنصاف، والاستقامة[14]،  وجاء الجمع على زِنَة (مَفَاعيل) وهي من صيغ منتهى الجموع[15].
وبهذا فإنَّ هذه الصيغة دَلَت على المبالغة وتعدد الميزان لأنَّ لكلِّ فردٍ موازين كثيرة. 
والوزن: «ثقل شيء بشيء مثله، كأوزان الدًراهم، ويقال: وزن الشيء اذا قدره، وزنة ثمر النخل اذا خرصه».  ووزنت الشيء فاتّزن (وزن يَزِن وزنا).  والمِيْزَان ما وزنت به»[16].
أو هو «ثقل شيء بشيء مثله كأوزان الدراهم، وزن الشَّيء وزناً وزِنَة» [17].
أو روز الثقل والخفة، والمثقال جمعه: أوزان، فالزنة هو المثقال وجمعه: أوزان[18].[19].

الهوامش:
[1] نهج البلاغة: ك 3، 271.
[2] ظ: في ظلال نهج البلاغة: 5 / 34، وظ: شرح المفصَّل: ابن يعيش: 10 / 392، وظ: شذا العرف في فن الصرف: الحملاوي: 193 
* المماثلة: نوع من أنواع الإدغام، وفيه تحول الفونيمات المخالفة الى متماثلة جزئياً أو كليِّأ عند تجاور الأصوات في كلمة تطرأ عليها تعديلات تكيفية ليزداد مع مجاورتها قربها في الصفات والمخارج؛ لتحقيق الإنسجام الصوتي، فان أثر الاول في الثاني فهو (تأثير مقبل ـ تقدمي) وان أثر الثاني في الاول فهو (تأثير مدبر ـ رجعي).  فسلكت هذه اللفظة أكثر من مرحلة في تغيرها الصوتي، لأنه عند اجتماع صوتان متجاوران اولهما مجهور والثاني مهموس، يتأثر ثانيهما بأولهما، وفقا لقانون المماثل المتقدم.  ظ: الاصوات اللغوية: ابراهيم انيس: 181.   
[3] نهج البلاغة: الحكم القصار: 147، 375.
[4] نهج البلاغة: ك 45، 312.
[5] ظ:  في ظلال نهج البلاغة:  5 / 317.
[6] نهج البلاغة:  ك 51،  319.
[7] ظ:  في ظلال نهج البلاغة:  5 / 317.
[8] نهج البلاغة:  خ 2،  12.
[9] مقاييس اللغة:  2 / 333.
[10] ظ:  أساس البلاغة:  1 / 281.
[11] ظ:  الإعلال والإبدال في الكلمة العربية:  شعبان صلاح:  15،  26.
[12] نهج البلاغة:  خ 114،  119.
[13] ظ:  منهاج البراعة:  8 / 50.
[14] ظ:  البنية المصدرية في نهج البلاغة  (رسالة ماجستير):  وسام جمعة لفتة:  129..
[15] ظ:  جامع الدروس العربية:  مصطفى الغلاييني:  2 / 36.
[16] ظ:  العين (مادة وزن):  7 / 386.
[17] لسان العرب (مادة وزن):  6 / 4828.
[18] ظ:  القاموس المحيط:  4 / 243.
[19]لمزيد من الاطلاع ينظر: المعجم الاقتصادي في نهج البلاغة، للدكتورة سحر ناجي المشهدي، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص 63-66.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.2328 Seconds