من ألفاظ البيع والشراء في نهج البلاغة: الدلالة المادية للفظ البيع

مقالات وبحوث

من ألفاظ البيع والشراء في نهج البلاغة: الدلالة المادية للفظ البيع

408 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 17-04-2022

بقلم: الدكتور سحر ناجي المشهدي

الحمد لله الأول بل الإنشاء، والآخر بعد فناء الأشياء، أحمده استتمامًا لنعمته، واستعصاماً من معصيته، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على من اصطفى من الخلق أجمعين سيدنا ونبينا محمد وآل الطاهرين..

وبعد:
ورد لفظ البيع في سبع وعشرين موضعاً من النهج، ودّل على نوعين من البيع.
البيع الحقيقي (المادي):   وهو ماتكون أطرافه مادية حسية ملموسة،  فيتمّ بين أمرَين مُدْرَكَين،  فإنً الإمام (عليه السلام)  فرض على الدولة المراقبة الاقتصادية؛ إذ كان يتجول بين البَّاعة ويراقب السوق ويوصي التٌجار بتقوى الله ويأمرهم بالاستقامة،  ويسأل عن الأسْعَار[1]،  وجاء المصدر (البـَيـْع)  خمسَ مراتٍ في النَّهْج،  منها كلام قاله عند دفن سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام): « وَقَدْ عَرَفَ حَقَّهَا رِجَالٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لاَ تَشْغَلُهُمْ عنْهَا زِينَةُ مَتَاع، وَلاَ قُرَّةُ عَيْن مِنْ وَلَد وَلاَ مَال، يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَهُ:  ﴿رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾[2].
   فهو في الأصلِ مبادلةُ مال بمالٍ،  إذ خَصَّ البيع بالذّكر وعطفه على التّجارة العامة ؛ لأنه أدخل في الإلهاء،  فالرّبح في البَيْع بالكَسبِ معلومٌ،  والرّبح في الشِّراء مَظْنون[3]،  ولم يقلْ سبحانه» لابيعَ ولاشراءَ »،  لأنَّ البيعَ أحبُّ من الشِّراء عندَ الناسِ،  فهو مظنة الرِّبح والمنفعة.
   ختمَ الإمام (عليه السلام)  كلامه بآية قرآنية،  ومن الصِّيغ الأخرى التي تحملُ معنى البيع الحقيقي مجيءُ الفعل المضارع مُؤكّداً بنون التوكيدِ الثقيلة جوازاً ؛ لسبقه بلا الناهية الجازمة،  على زنة (تـَفْععَلـُنَّ)،  وذلك في كتابه إلى عمّاله على الخَراج قائلاً لهم: « وَلاَ تَبِيعُنَّ لِلنَّاسِ فِي الْخَرَاجِ كِسْوَةَ شِتَاء وَلاَ صَيْف،  وَلاَ دَابَّةً يَعْتَمِلُونَ عَلَيْهَا»[4].
إذ رُفِعَ الفعل ؛ لأن (واو الجماعة)  فصلت بين الفعل (تبيع)  و(نون التوكيد الثقيلة)  والأصل فيه (تبيعون) + (نًّ) فحُذِفَت النون الاولى لتوالي الامثال،  فألتقى ساكنان وهما واو الجماعة والنون الاولى من نوني التوكيد لالتقاء الساكنين،  فحُذِفَت الواو،  ورسمت ضَّمة قبل النون.
 فنهى مؤكداً عمَّاله عن عدمِ بيع أرباب الخَراج ماهو من ضرورياتهم كثيابِ أبدانهم،  وكالدَّابة التي يعتملون عليها،  فهذه يضطَّرون إليها ؛ لأنَّها كسوتهم ودابتهم التي ينتفعون بها في العمل نحو بقر الفلاحة لزرعهم وحمل أثقالهم[5].
وجاء المضارع على زنة (تَفْتَعل)  مرة واحدة وذلك في كتاب الإمام (عليه السلام)  إلى بعض عمَّاله: « أَيُّهَا الْمَعْدُودُ ـ كَانَ ـ عِنْدَنَا مِنْ ذَوِي الاْلْبَابَ،  كَيْفَ تُسِيغُ شَرَاباً وَطَعَاماً،  وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ تَأْكُلُ حَرَاماً،  وَتَشْرَبُ حَرَاماً،  وَتَبْتَاعُ الاْمَاءَ »[6].

وتَبْتَاع بمعنى (تشتري)  مولدات مكة والمدينة والطائف،  تختارهن على عينك،  وتعطي فيهن مال غيرك[7].
ووردَ جمع (البيعِ)  معرفا بـ(ال) لتفيد العموم،  والبِيَاعَات تعني الأشياء التي يُتبايَع بها للتِّجارة.  فجعلَ ثمرة الضِّيق الفاحش والشُّح القبيح احتكاراً للمنافع[8].
  ووردت هذه الصيغة مرة واحدة في النَّهْج،  وذلك من كتاب له (عليه السلام)  الى الصحابي مالك الاشتر (رضوان الله عليه)  في أثناء حديثه عن التجار، فجاءَ (تحكماً في البياعاتِ)  عطف على قوله (احتكارًا للمنافع)  قال (عليه السلام): « وَاعْلَمْ ـ مَعَ ذلِكَ ـ أَنَّ فِي كَثِير مِنْهُمْ ضِيقاً فَاحِشاً،  وَشُحّاً قَبِيحاً،  وَاحْتِكَاراً لِلْمَنَافِعِ،  وَتَحَكُّماً فِي الْبِيَاعَاتِ» [9] فالإشارة هنا الى التّجار،  وما يلحقه الغالب منهم من حيف في البياعات عن طريق الإحتكار. 

فالمشتري يقلب السّلعة كثيرا،  وينظر فيها أهي سليمة أم فاسدة،  ثم يساومه على الثّمن طويلا،  ومن معاني هذه الصيغة هنا المبالغة في إحداث الحَدَث فجاءت مناسبة لوصف المشتري بها.  وجاء المصدر (بَيْعَاً)  مرتين في النَّهْج،  ليكون الكلام شاملاً لجميع البيوع على اختلاف أنواعها وألوانها وأزمانها،  وأمكنتها،  وذلك في كلامه إلى عامله الصحابي مالك الاشتر (رضوان الله عليه)  قائلا له: « وَلْيَكُنِ الْبَيْعُ بَيْعاً سَمْحاً:  بِمَوَازِينِ عَدْل،  وَأَسْعَار لاَ تُجْحِفُ بِالْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْبَائِعِ وَالْمُبْتَاعِ »[10]،  والمُبْتَاع: هو المشتري والمصدر من (باع) « وليكن البيع بيعا سمحا » فيه تسهيل بالثمن (بموازين عدل)  لاينتقص من باع،  ولايتزيد من اشترى (وأسْعَار لاتُجْحَف بالفِريقين من البائع والمبتاع)  لاسلطان مطلقا للانسان حتى على نفسه وماله،«فمن قارف حكرة بعد نهيك اياه فنكل به،  وعاقبه » الاحتكار ذنب كبير.  وجاء اسم المفعول من(باع)  وهو (مـَبِـيْعٌ)  المفترض كونه (مـَبـْيوْع)  اذا التقى ساكنان،  يحذف أحدهما فلو حذفنا الواو قلبنا الضمة كسرة لتناسب الياء لئلا تقلب الياء واوا،  (مـَبِـيعٌ)  على زنة(مـَفِعْل).  وجاء المصدر (بَيْع)  متصلا بضمير الغائب مرة واحدة في كلام الإمام (عليه السلام)  في خطبة له في بيان عظمة الله: « وإِنْ شِئْتَ ثَلَّثْتُ بِدَاوودَ صَاحِبِ الْمَزَامِيرِ،  وقَارِىءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ،  فَلَقَدْ كَانَ يَعْمَلُ سَفَائِفَ الْخُوص بِيَدِهِ،  وَيَقُولُ لِجُلَسَائِهِ:  أَيُّكُمْ يَكْفِينِي بَيْعَهَا ! وَيَأْكُلُ قُرْصَ الشَّعِيرِ مِنْ ثَمَنِهَا »[11]) [12].

الهوامش:
[1] ظ:  الامام علي في أسواق الكوفة:  22.
[2] نهج البلاغة:  خ 199،  232،  علماً أنَّ الآية الواردة هي سورة النور / 37.
[3] ظ:  شرح نهج البلاغة:  ابن ابي الحديد:  10 / 160  وظ:  في ظلال نهج البلاغة:  4 / 322.
[4] نهج البلاغة:  ك 51،  319.
[5] ظ:  في ظلال نهج البلاغة:  5 / 36.
[6] نهج البلاغة:  ك 41،  309.
[7] ظ:  شرح نهج البلاغة:  ابن ابي الحديد:  17 / 19.
[8] ظ:  المصدر نفسه:  16 / 132.
[9] نهج البلاغة:  ك 53،  332.
[10]  نهج البلاغة:  ك 53،  332.
[11] نهج البلاغة:  خ 160،  161.
[12]لمزيد من الاطلاع ينظر: المعجم الاقتصادي في نهج البلاغة، للدكتورة سحر ناجي المشهدي، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص 73- 76.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1913 Seconds