مؤسسات الدولة وسياستها الإدارية في فكر الإمام علي عليه السلام 3- السياسة كما تبدو في نهج البلاغة

مقالات وبحوث

مؤسسات الدولة وسياستها الإدارية في فكر الإمام علي عليه السلام 3- السياسة كما تبدو في نهج البلاغة

222 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 24-01-2023

بقلم: د. جليل منصور العريَّض – الجامعة الأولى/ تونس

الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم والثناء بما قدم والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطاهرين.

وبعد:

تعني السياسة بالمفهوم الإصطلاحي: المنهاج أو الخطة التي تتبعها الحكومة لتدبير مصالح الناس وطريقة التفاهم معهم، والسياسية بمفهومها العام هي «القيام على الشيء بما يصلحه، واشتهرت عند أهل العصر في العمل لأمور الدولة داخلها وخارجها»[1]، فهي إذن أسلوب تضعه الحكومة على أساس خطة محكمة تتفق ووضع الدولة من حيث الاقتصاد والاجتماع والامن، وتتلاءم مع المحيط الدولي الذي توجد الدولة ضمنه، ومن الملاحظ ان مفهوم السياسة ذاك يتعلق بالشؤون الدنيوية فقط، أما السياسة بالمفهوم الإسلامي فتعني ـ في اعتقادنا ـ ارتباطها ارتباطاً وثيقاً بالدين، لكونها ـ من وجهة نظر اسلامية ـ خطة أخلاقية تقوم على «استصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق المنجي في العاجل والآجل»[2]، فهي بهذا المعنى تبع للدين، تسير في خطاه، وتستنير بهديه، وعلى ذلك يمكن التفريق بين السياسة بالمفهوم الأخلاقي، وبين السياسة بالمفهوم الانتهازي، المرتبط بالمصالح الذاتية لفئة معينة من الناس، والمبنية في مجملها على الاحتيال والخداع والمراوغة باتخاذ الدين وسيلة لما يقارب من الدنيا[3]، بإلباس الشهوات صبغة دينية تبرر المآرب المعوجة، فالدين «شيء والسياسة شيء آخر لو أريد من السياسة الغدر والنفاق والكذب والخداع»[4].

وإذا ما أردنا الدخول في فكر علي عليه السلام السياسي، في ضوء ما ورد في النهج من نصوص يجب ان نضع في اعتبارنا أننا نبحث في سياسة دينية، الأخلاق دعامتها، والمبادئ السامية سياجها، فالنظرة الشمولية المتعمقة منحت المسؤولية في فكر الإمام علي عليه السلام اتساعاً لا يقتصر على العلاقات الإنسانية بين الحاكم والمحكوم فحسب، بل شملت كل ما يتعلق بالإنسان في محيطه، فضمن عرضه لسياسته في أوائل خلافته يقول «اتقوا الله في عباده وبلاده، فإنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم»[5]، فالمسؤولية في السياق تعني الالتزام الذي يترتب عليه حال تركه أو اهماله المحاسبة والعقاب، أما المجتمع فقد استوعب جل فكر علي عليه السلام السياسي لكونه الركن الأساس الذي تقوم عليه دعائم الدولة. فبإلقاء نظرة على ما ورد في خطبه ورسائله من وصايا إنسانية سنجد ان قضايا المجتمع قد كانت شغله الشاغل، كما أن استخدامه بكثرة المفردات (أمة، جماعة، رعية)[6] لدليل واضح على قيام سياسته على قواعد اجتماعية مرتبطة بالقاعدة المكونة من السواد الأعظم من الناس الفقراء والمعدمين، وهو كما نلاحظ يعول على تلك الطبقات ويستمد منها القوة الحقيقة لبقاء الدولة، ودلالة ذلك قوله لمالك الاشتر حين ولاه مصر «إن سخط العامة يجحف برضا الخاصة، وان سخط الخاصة يغتفر مع رضا العامة، وليس احد من الرعية اثقل على الوالي مؤونة في الرخاء وأقل معونة في البلاء وأكره للإنصاف... من أهل الخاصة وإنما عماد الدين وجماع المسلمين والعدة للأعداء العامة من الامة»[7]. لذا فقد سارت سياسته الاقتصادية إلى جانب أولئك المعدمين، برعاية شؤونهم، وتدبير مصالحهم، وعدم تمكين الفئات المتسلطة من التسلق على حسابهم، فالمال مال الجميع ليس لاحد فضل فيه على أحد، فحين طلب منه بعض أصحابه اسلاف بعض الزعامات القبلية وأشراف قريش بالمفاضلة في العطاء قال لهم «لا والله لا أفعل ما طلعت شمس...ثم سكت واجماً ثم قال: الأمر اسرع من ذلك، قالها ثلاث مرات»[8]. فعلي عليه السلام يدرك تماما انه يستطيع تحقيق النصر الشخصي في قضية الحكم بتوظيف المال توظيفاً سياسيا معوجاً، ولكن ذلك سيكون على حساب المبادئ والقيم فوجومه ثم تكراره عبارة «الأمر أسرع من ذلك» تحمل في طياتها ـ على ما نعتقده ـ شعوره بالألم لانزلاق القيم وترديها بأسرع مما يتصوره إنسان، علاوة على ما تتضمنه العبارة من ترهيب وتخويف من كتاب الخالق سبحانه، مما جعله يتشدد في تسوير سياسته بسياج أخلاقي متين، ليتمكن ـ على الاقل ـ من ابقاء جذوة المبادئ متقدة في مواجهة ذلك التيار المتنامي للتكالب على السطلة وجمع الثروات واقتناء الضياع والاماء والعبيد على حساب الفئات المستضعفة، فمن خلال نظرة فاحصة في المصطلح السياسي، في فكر علي عليه السلام، سنجد أن المفاهيم الأخلاقية في تلك النماذج تكاد تتقابل بين الإيجاب والسلب أو بمعنى أوضح، بين القيم الأخلاقية، وبين العيوب والسلبيات التي نجمت في المجتمع، مع ملاحظة تركيزه على الجوانب السلبية، مما يعني استفحال ذلك بين متسلقي السلطة في عصره، وبتحول السياسة عند أولئك إلى مفهوم فارغ من أية قسمة أخلاقية، واهتبال الفرص للوصول إلى الغاية المنشودة بأية وسيلة، فالغدر والاحتيال، والخيانة، واشاعة الفتن، ذكاء وفطنة وفهم. ففي معرض المقارنة بين مفهوم السياسة عنده، ومفهومها عند سياسي عصره يقول علي عليه السلام «أيها الناس، ان الوفاء توأم الصدق، ولا اعلم جنة اوفى منه، وما يغدر من علم كيف المرجع، ولقد اصبحنا في زمان قد اتخذ أكثر أهله الغدر كيساً ونسبهم أهل الجهل إلى حسن الحيلة، مالهم، قاتلهم الله، قد يرى الحُوّلُ القُلّب وجه الحيلة، ودونها مانع من أمر الله ونهيه، فيدعها رأي العين بعد القدرة عليها، وينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدين»[9]، فالحيلة والخداع والغدر والكذب لا تعني إلا هدراً للأخلاق وهدما للدين في قاموس علي عليه السلام السياسي، لأن مقياسه لرجل السياسة الصحيح هو الاتفاق بين ما يظهر وبين ما يبطن، لأنه هو ذاته «من تماسك الشخصية بحيث لا يتناقض أبداً، وهو من سلامة وأصالة الفكر بحيث لا يتعارض»[10]، لاقتران القول بالفعل في كل تصرفاته، وهو القائل «من لم يختلف سره وعلانيته، وفعله ومقالته، فقد أدى الأمانة، وأخلص العبادة»[11]. فالإخلاص في القول وفي الفعل قيمتان خلقيتان مرتبطتان في فكر علي عليه السلام السياسي ـ بالأمة والعبادة ـ. ومن ذلك المنطلق الأخلاقي يقول عن سياسته إزاء سياسة معاوية «والله ما معاوية بأدهى مني، ولكنه يغدر ويفجر، ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس، ولكن كل غدرة فجرة، وكل فجرة كفرة، ولكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة»[12]. فمن ذلك نستنتج ان علياً عليه السلام قد كان على دراية تامة بما يحدث على الساحة الإسلامية من مراوغات وألاعيب سياسية في عصره، وكان بإمكانه ان يتخذ من أساليب سياسته ما يثبت سلطته، ولكنه كان «ملجما بالورع عن جميع القول والفعل إلا ما هو لله عز وجل، رضاً، وممنوع اليدين من كل بطش الا ما هو لله رضا»[13]. ففكر علي عليه السلام السياسي ـ كما يبدو في نهج البلاغة ـ يتمثل في محاولة إصلاح ما فسد في دولة الإسلام، بإرجاع الحقوق إلى نصابها، وبناء المجتمع المثالي القائم على المؤاخاة في الله والتسامح والتعاون، فكان ان خطط للمؤسسات التنفيذية في حكومته ما يمكنها من تحقيق تلك السياسة)[14].

الهوامش:
[1] أحمد رضا: معجم متن اللغة 3/247.
[2] أبو البقاء الكفوي: الكليات 3/31.
[3] راجع حكم ـ 413.
[4] باقر القرشي: النظام السياسي في الإسلام ص 60.
[5] خطب 168.
[6] من خلال احصائية قمنا بها في نصوص النهج وجدنا أن: كلمة أمة قد تكررت في ما يقارب تسعة وأربعين موضعاً، وأن كلمة جماعة قد تكررت في ما يقارب من خمسة وعشرين موضعاً، اما كلمة رعية فقد وردت في اربعة وتسعين موضعاً تقريباً.
[7] رسائل ـ 53، فقرة 7، وسخط: تبرم وعدم رضاً، ويجحف: يذهب ويزيل.
[8] أخذنا هذا النص من ابن أبي الحديد 2/203 عن رواية علي بن محمد المدائني، وقد ورد هذا النص باختلاف في بعض عباراته في نسخ نهج البلاغة في باب الخطب تحت رقم 126. فقد ورد في نص النهج «والله لا اطور به ما سمر سمير، وما أَمَّ نجمٌ في السماء نجماً ـ بدلا من قوله عند ابن أبي الحديد: والله لا افعل...»، ثم أن الشريف الرضي لم يورد الزيادة التي أوردها ابن أبي الحديد وهي قول علي ثلاث مرات «الأمر أسرع من ذلك» وأما معنى لاح أي ظهر وبان، وواسيت ـ ساويت، وأطور به ـ لا أقر به، ما سمر سمير: السمير: الدهر ـ أي أبد الدهر ما قام وما بقي، وما أَمَّ نجم: أي قصد وتقدم.
[9] خطب 41 ـ التوأم: الذي يولد مع الآخر في حمل واحد، والوفاء والصدق قرينان في المنشأ والجُنة ـ بضم الجيم ـ: الوقاية، والمرجع ـ بكسر الجيم ـ: العودة لله سبحانه للحساب، الكيس ـ بفتح الكاف ـ: العقل، والحول القلب ـ بضم الأول وتشديد الثاني وفتح في اللفظين ـ: البصير بتحول الأمور وتقلبها، والحريجة: التحرج والاحتراز.
[10] جورج جرداق: علي صوت العدالة الإنسانية 1/168.
[11] رسائل 26، الفقرة الأولى.
[12] خطب 194. ويفجر: يفسق ويكذب.
[13] ابن أبي الحديد 10/229.
[14] لمزيد من الاطلاع ينظر: فكر الإمام علي عليه السلام كما يبدو في نهج البلاغة: للدكتور خليل منصور العريّض، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص 305-311.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.2463 Seconds