مناقشة أقوال الآلوسي في تفسير قوله تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} ودفاعه عن خصوم فاطمة عليها السلام. خامساً: مناقشة رده على الشيعة في ملكية عائشة لحجرتها بعلة استئذان الإمام الحسن عليه السلام منها ليدفن إلى جوار النبي صلى الله عليه وآله.

مقالات وبحوث

مناقشة أقوال الآلوسي في تفسير قوله تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} ودفاعه عن خصوم فاطمة عليها السلام. خامساً: مناقشة رده على الشيعة في ملكية عائشة لحجرتها بعلة استئذان الإمام الحسن عليه السلام منها ليدفن إلى جوار النبي صلى الله عليه وآله.

984 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 10-08-2023

بقلم: السيد نبيل الحسني.
في المورد الخامس الذي يدافع فيه الآلوسي عن خصوم فاطمة عليها السلام في تفسيره لقوله تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} [النمل: 22] وقوله سبحانه: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ} [مريم:6]
فيقول في الاحتجاج على الشيعة في بقاء نساء النبي صلى الله عليه وآله في بيوته بأنه ، -أي النبي- قد وهب لكل منهن حجرتها: (فصارت الهبة مع القبض متحققة وهي موجبة للملك وقد بنى النبي صلى الله تعالى عليه [وآله] وسلم مثل ذلك لفاطمة [عليها السلام] وأسامة وسلمّه إليهما؛ وكان كل من بيده شيء مما بناه له رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يتصرف فيه تصرف المالك على عهده عليه الصلاة والسلام .
ويدل على ما ذكر: ما ثبت بإجماع أهل السنة والشيعة أن الإمام الحسن [عليه السلام] لما حضرته الوفاة استأذن من عائشة وسألها أن تعطيه موضعاً للدفن جوار جده المصطفى صلى الله عليه [وآله] وسلم فإنه إن لم تكن الحجرة ملك عائشة لم يكن للاستئذان والسؤال معنى وفي القرآن نوع إشارة إلى كون الأزواج المطهرات مالكات لتلك الحجر حيث قال سبحانه: *{وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ}* [الأحزاب: 33] فأضاف البيوت إليهنّ ولم يقل في بيوت الرسول).

أقول :
1 ـ لقد بينا سابقا أن المشكلة الحقيقية فيمن أنتصر لخصوم فاطمة عليها السلام أنهم عرفوا الحق بالرجال ولم يعرفوا الحق للحق فانتصروا للباطل.

2 ـ أما قوله: (فصارت الهبة مع القبض متحققة وهي موجبة للملك)، لم يثبت لا في كتب السنة ولا الشيعة ولا غيرهم من أهل الكتاب الذين كانوا في المدينة أن النبي صلى الله عليه وآله وقد وهب أي واحدة من أمهات المؤمنين حجرتها التي بناها لما تزوج بها، بل ولم يثبت أنه أقبض أي واحدة منهن الحجرة التي سكنتها، ومن ثمة فلا الهبة ثابتة ولا القبض وقع فأصبح بقائهن موجب للغصبية ما لم يأذن النبي صلى الله عليه وآله في حياته أو وصيه عليه السلام.

3 ـ أما قوله: (وقد بنى النبي صلى الله تعالى عليه [وآله] وسلم مثل ذلك لفاطمة [عليها السلام] وأسامة وسلمّه إليهما؛ وكان كل من بيده شيء مما بناه له رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يتصرف فيه تصرف المالك على عهده عليه الصلاة والسلام).
إن المقايسة بين ما بنى النبي صلى الله عليه وآله لفاطمة عليها السلام أو أسامة بن زيد أو غيرهما وبين بنائه للحجرات كاشف عن اللبس في فهم النسبة لهذه البيوت والعلة في البناء، فقد كان صلى الله عليه وآله كلما تزوج بامرأة بنى لنفسه حجرة ليسكن بها مع زوجته وليس البناء لهذه الزوجة أو غيرها وقد ثبت في سيرته أنه نقل إحدى زواجاته في حجرت غيرها.
ولذا: نسبها القرآن للنبي صلى الله عليه وآله ولم يقل (فلا تدخلوا بيوت ازواجه) وذلك ليقطع الطريق على اصحاب النفوس الضعيفة في الدخول الى بيوته بحجة الصهرية منه صلى الله عليه وآله فتنتهك حرمته وشأنيته.
أما بضعته فاطمة عليها السلام فقد بنى لها وليس له أي لنفسه كما في أمر الزواج من النساء، فالنسبة والعلة مختلفة وكذا في أسامة أو غيره.

4 ـ أما استدلاله باستئذان الإمام الحسن (عليه السلام) من عائشة، فهو مغالطة أعظم من السابقة، وتدليس في الحادثة، وذلك أن الإمام الحسن (عليه السلام) لم يستأذن من عائشة وإنما أوصى أخيه الإمام الحسين عليه السلام بذلك فإن منع فيدفن في البقيع كي لا يقع السيف بين آل النبي صلى الله عليه وآله وعائشة، أما العلة في عدم الاستئذان فمن أمرين:
الأول: إن كان الحكم في هذه الحجرات التوريث للزوجة -والإمامية لا تقول به- فللزوجة الثمن من البناء ولكل واحدة من أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) التسع من الثمن، ومن ثم فالإمامان الحسن والحسين والعقيلة زينب (عليهم السلام) هم الورثة لتمام أموال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، بعد وفاة أمهم فاطمة عليها السلام.
وعليه فإن مقتضى الاستئذان يكون من الورثة أي الإمام الحسين واخته العقيلة زينب (عليهما السلام). فهما شركاء مع الإمام الحسن (عليه السلام) فيما ورثاه عن أمهما فاطمة (عليها السلام) في مذهب العترة النبوية والذي منه ينطلق الإمام الحسن (عليه السلام) في الحكم الشرعي؛ ومن ثمَّ فالقول باستئذان الإمام الحسن (عليه السلام) من عائشة مخالف لمذاهب أهل البيت (عليهم السلام)، بل يعطي مشروعية لغصبيّة أموال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومنها بيوته.
وأن كان الحكم بالهبة والتمليك فهو لم يقع ومخالف للقرآن في توقيف البيوت على النبي صلى الله عليه واله وعليه لم يقع الاستئذان لأنه مخالف للشريعة.
الثاني: لكونه، أي الامام الحسن عليه السلام صاحب التولية على هذه الحجرات والروضة النبوية وذلك بحكم الجعل الإلهي في إمامته على من نطق الشهادتين سواء من أمن بذلك أو لم يؤمن فالإمام يعمل بتكاليفه الشرعية ولا ينظر الى ما يقرره الناس.
 ومن ثم: لا يستأذن صاحب التولية ممن وضع يده على القبر النبوي والحجرة، رضيت بذلك عائشة أم غضبت ومثاله ما روي عن أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) لما قيل له: أن عثمان بن عفان غاضب عليك لمخالفتك أمره في عدم الخروج لمشايعة الصحابي الجليل ابي ذر الغفاري لما نفاه عثمان الى الربذة ، فقال (عليه الصلاة والسلام):
«غضب الخيل على اللجُمِ»[1]. أي أن الإمام يعمل بتكليفه الشرعي ولا ينظر لرضا المخالف لما جاء به القرآن والنبي صلى الله عليه وآله.
5 ـ أما قوله : (وفي القرآن نوع إشارة إلى كون الأزواج المطهرات مالكات لتلك الحجر حيث قال سبحانه : * ( وقرن في بيوتكن ) * ( الأحزاب : 33 ) فأضاف البيوت إليهنّ ولم يقل في بيوت الرسول) .
فهو محل اضطراب وتخليط في علة نسبة هذه البيوت في قوله تعالى:
{وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ}، ولقد اضطرب في المسألة من قبل الحافظ السبكي بل ويرشد قوله الى حالة الاضطراب التي يمر بها كل فقيه متدبر في مباني الأحكام، فشتان بين القول بالجواز في سكناهن لمغالطة نسبة البيوت إليهن في قوله عز وجل: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} وهي نسبة مكانية وتعينيه لمحل التوقير والذكر، أي البيوت وحرمة خروجهن من بيوتهن فهن مأمورات بلزوم هذه البيوت، وبين نسبتها للنبي (صلى الله عليه وآله) وهي نسبة تمليكيّة بقرينة قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ}.
ولأجل ذلك وغيره من التكاليف الشرعية أمتنعت أم سلمة من الخروج من دارها لما عرضت عليها عائشة المسير معها في خروجها مع طلحة والزبير لقتال إمام زمانها وخليفة رسول الله صلى الله عليه وآله .
ومِنْ ثمَّ: لا يمكن دفع التوارث بين الأنبياء عليهم السلام في الأموال بعد إقرار القرآن والسُنّة واللغة بذلك، إلا أن الحقيقة المرّة والتي لا مفرَّ منها، هي: تضافر الأمة على هضم فاطمة (عليها السلام) وقد تجلّت في دفاعهم عن خصومها والانتصار لهم، وهو ما صرّح به أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطابه لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ، بعد أن واراها في الثرى ، فحوّل بوجهه إلى الروضة النبوية الشريفة ، فقال:
«السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ الله عَنِّي، والسَّلَامُ عَلَيْكَ عَنِ ابْنَتِكَ وزَائِرَتِكَ والْبَائِتَةِ فِي الثَّرَى بِبُقْعَتِكَ...»[2] إلى أن يقول:
«وسَتُنَبِّئُكَ ابْنَتُكَ بِتَضَافُرِ أُمَّتِكَ [عليَّ] وعَلَى هَضْمِهَا ، فَأَحْفِهَا السُّؤَالَ واسْتَخْبِرْهَا الْحَالَ»[3] «فكم من غليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثه سبيلا، وستقول، ويحكم الله، وهو خير الحاكمين»[4] . [5]  

الهوامش:
[1] مروج الذهب للمسعودي: ج2 ص 342.
[2] الكافي ، الكليني : ج1 ص458 ؛الأمالي ، الشيخ المفيد: ص283 ؛  نهج البلاغة ، الشريف الرضي : الخطبة رقم 202 .
[3] نهج البلاغة، الشريف الرضي : الخطبة رقم : 202
[4] الأمالي ، الشيخ المفيد : ص282
[5] لمزيد من الاطلاع ، ينظر : معارضة حديث لا نورث للقران والسُنّة واللغة ، السيد نبيل الحسني : 214 / 217 ، إصدار مؤسسة علوم نهج البلاغة التابعة للعتبة الحسينية المقدسة ، ط1 دار الوارث كربلاء - 2021م – مع بعض التصرف والإضافة- .

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.4189 Seconds