مناقشة أقوال الآلوسي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ ودفاعه عن خصوم فاطمة عليها السلام. سابعاً: مناقشة رده على الشيعة في دعوى ضم فاطمة عليها السلام أرض فدك إلى الإرث.

مقالات وبحوث

مناقشة أقوال الآلوسي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ ودفاعه عن خصوم فاطمة عليها السلام. سابعاً: مناقشة رده على الشيعة في دعوى ضم فاطمة عليها السلام أرض فدك إلى الإرث.

860 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 21-09-2023

بقلم: السيد نبيل الحسني.

في المورد السابع الذي يدافع فيه الآلوسي عن خصوم فاطمة عليها السلام في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: 22] وقوله سبحانه: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم:6]، فيتناول مسألة جديدة مدعياً أن فاطمة عليها السلام قد ضمت أرض فدك إلى الإرث، فيقول:
(وإنما لم يعط [أبو بكر] فاطمة (عليها السلام) فدكا مع أنها طلبتها إرثاً، وانحرف مزاج رضاها [عليها السلام] بالمنع إجماعاً وعدلت عن ذلك إلى دعوى الهبة، وأتت بعلي والحسنين [عليهم السلام]، وأم أيمن للشهادة فلم تقم على ساق بزعم الشيعة، ولم تمكن لمصلحة دينية ودنيوية رآهما الخليفة إذ ذاك)[1]!!.

أقول:
1 ـ لقد تضمن قول الآلوسي جملة من المسائل التي تحتاج إلى بيان وسنتعرض لها لاحقاً، ولكن أوردناه بتمامه في هذا الموضع كي يطلع القارئ على حيثيات القول ومتبنيات القائل.

2 ـ إنّ الآلوسي ينتقل في مقدمة كلامه إلى إثارة مسألة جديدة، أي بقوله: (وإنما لم يعط [أبو بكر] فاطمة (عليها السلام) فدكا مع أنها طلبتها إرثاً) ليرد على الشيعة في خصومة فاطمة عليها السلام بأن لأبي بكر الحق في المنع والعطاء، (فيجوز لخليفة الوقت أن يخص من شاء بما شاء)[2]، وهو بذلك القول يريد أن يصرف ذهن القارئ الى عنوان شرعي آخر، أي الانتقال من مسألة الإرث بين الأنبياء (عليهم السلام) إلى مسألة الهبة، بمعنى: أن النبي (صلى الله عليه وآله) حينما ترك العديد من الأموال هل يمكن أن تكون بعنوان الهبة، بلحاظ أن الأنبياء لا توارث بينهم أم لا يكون بينهم الهبة أيضاً؟.
وهو أمر في غاية الأهمية وذلك أنه يكشف عن حجم المأساة التي وقعت على بضعة النبوة عليها السلام؛ بمعنى أدق: إذا كانت الأنبياء لا تورث، فما بال الهبة تمنع أيضاً، كما منع أبو بكر فاطمة أرض فدك؟!!.
من هنا: أضطرب أعلام أهل السُنة والجماعة -لا سيما الفقهاء- في عنوان الإرث والهبة، فهل أن بضعة النبوة (عليها السلام) بعد أن منعها أبو بكر من الإرث طالبت بفدك  هبة أم إرثاً، بل اَضطربوا في معرفة أي الأمرين اَبتدأت به فاطمة عليها السلام هل هو الإرث أم الهبة، وهل أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد وهبها أرض فدك[3] أم لا؟!.
3 ـ لقد حاول الآلوسي كما حاول العديد من أسلافه ومشايخه من أعلام أهل السُنَّة والجماعة الخروج من هذه الإشكالية الشرعية، وذلك عِبْر جمع العناوين الشرعية الثلاثة التي طالبت بها بضعة النبوة فاطمة عليها السلام، وهي (دعوى الإرث، ودعوى النِحلة، أي أرض فدك، ودعوى الخمس أي: سهم ذي القربى، فضلًا عن دعوى طُعمتها من حصن الكتيبة) ضمن عنوان واحد.
وقد كشفت النصوص في الصحاح والمسانيد أن عائشة هي أول من صرح بجمعها ضمن عنوان واحد، وذلك في بيانها لما شجر بين أبيها وبضعة النبوة عليها السلام، فقد جمعت عائشة هذه الدعاوى الثلاثة في دعوى المطالبة بالإرث.
وجمعها أبو بكر ضمن عنوان واحد، وهو: (الصدقة)، وقد رَّد هذه الدعاوى الثلاثة التي طالبت بها فاطمة عليها السلام والعناوين الشرعية المختلفة بحديثه الذي يزعم أنه سمعه من النبي (صلى الله عليه وآله) وهو يقول له خاصة دون الناس!!: (نحن معاشر الأنبياء لا نورِّث)[4].

4 ـ إنّ هذا الجمع في العناوين الشرعية المختلفة والدعاوى المتعددة والذي أَوْهَمَّ به أعلام أهل السُنّة والجماعة من يقرأ النصوص التي تضافرت بها الصحاح فيما شجر بين بضعة النبوة عليها السلام وأبي بكر وما وقع عليها من الظلم بكونه لا يخلوا من ثلاثة:
1. إمّا التدليس على القارئ.
2. إمّا التغليط عليه.
3. إمّا تضليله.
ولذا: ذهبوا إلى القول بعدم جواز الدخول فيما شجر بين الصحابة، فنشأ على ذلك الخلف، لكن السؤال الذي يفرضه البحث:
إذا كان أئمة السلف على حق فلم الحجب عن معرفته والأخذ به وأتباعه، وإن كانوا على باطل فلم المنع من اجتنابه، ولم لا يعملون بمنهج المعرفة الذي سَنّه الإمام علي عليه السلام حينما توجه إليه الحرث بن حوط الليثي، قائلا:
(أترى أنّ طلحة والزبير وعائشة اَجتمعوا على باطل؟! فقال علي (عليه السلام):
«يا حار! أنت ملبوس عليك، إنّ الحق والباطل لا يعرفان بأقدار الرجال، وبإعمال الظن، أعرف الحق تعرف أهله، واَعرف الباطل تعرف أهله»)[5]؟!!.

من هنا:
فإنّ فاطمة (عليها السلام) لم تطالب بفدك بعد مصادرة أبي بكر لها بعنوان الإرث، وإنما طالبت بها ضمن عنوانها الشرعي بكونها هبة من النبي (صلى الله عليه وآله)، وأنه نحلها في حياته في السنة السابعة من الهجرة، بل لم تطالب بالإرث في بدو أمرها وتحاجج أبي بكر به، وإنما كانت تخاصمه في أول أمرها في نحلتها، أي أرض فدك، إلا أن أبا بكر جعلها ضمن أموال النبي (صلى الله عليه وآله) ومنها سهم ذي القربى.
ومما يدل على أنها هبة خاصة لبضعة النبوة عليها السلام، هو أن أبا بكر طالبها بالشهود على إنها نِحْلة، فجاءته بخير الخلق بعد النبي (صلى الله عليه وآله) ومعهم أم أيمن، فأنكر أبو بكر كونها نِحلة، ورد الشهود، وجمعها مع سهم ذي القربى، وأموال رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وجعل هذه الدعاوى والعناوين الشرعية الثلاثة ضمن دعوى واحدة، أي أنه جعل سهم ذي القربى، والهبة، والإرث جميعا ضمن عنوان صدقة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولم يكن فعله هذا مرتكز على كونه خليفة العصر فيهب ما يشاء لمن يشاء كما يدعي الآلوسي وغيره، بل للتصرف بالعناوين الشرعية التي جاء بها القرآن والنبي (صل الله عليه وآله).
وعليه: لم يكن هذا الدفاع من أعلام أهل السُنّة والجماعة عن خصوم فاطمة عليها السلام إلاّ لإتباعهم المعرفة المرتكزة على أقدار الرجال وأعمالهم الظن، فلبس عليهم، كما قال أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام للحرث بن حوط الليثي.
ومِنْ ثمَّ : لا يمكن دفع التوارث بين الأنبياء عليهم السلام في الأموال بعد إقرار القرآن والسُنّة واللغة بذلك، كما لا يمكن دفع الهبة بينهم، أو الوصية أو التولية أو النص بالخلافة؛ إلاّ أن الحقيقة المرّة والتي لا مفرَّ منها، هي : تضافر الأمة على هضم فاطمة (عليها السلام) وقد تجلّت في دفاعهم عن خصومها والانتصار لهم، وهو ما صرّح به أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطابه لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، بعد أن واراها في الثرى، فحوّل بوجهه إلى الروضة النبوية الشريفة، فقال:
«السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ الله عَنِّي، والسَّلَامُ عَلَيْكَ عَنِ ابْنَتِكَ وزَائِرَتِكَ والْبَائِتَةِ فِي الثَّرَى بِبُقْعَتِكَ...»[6] إلى أن يقول:
«وسَتُنَبِّئُكَ ابْنَتُكَ بِتَضَافُرِ أُمَّتِكَ [عليَّ] وعَلَى هَضْمِهَا، فَأَحْفِهَا السُّؤَالَ واسْتَخْبِرْهَا الْحَالَ»[7] «فكم من غليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثه سبيلا، وستقول، ويحكم الله، وهو خير الحاكمين»[8].[9]

الهوامش:
[1] تفسير الآلوسي : ج4 / ص220
[2] تفسير الآلوسي : ج4 / ص220
[3] لمزيد من الإطلاع : ينظر أرث النبي صلى الله عليه وآله ببين منع النبوة ودفع فاطمة عليها السلام ، دراسة فقهية مقارنة على المذاهب السبعة ، تأليف السيد نبيل الحسني ، إصدار مؤسسة علوم نهج البلاغة  .
[4] فتح الباري ، بن حجر العسقلاني: ج12 / ص6
[5] أنساب الأشراف للبلاذري: ج2 ص 274؛ البيان والتبيان للجاحظ: ص 491؛ تاريخ اليعقوبي: ج2 ص 210.
[6] الكافي ، الكليني : ج1 ص458 ؛الأمالي ، الشيخ المفيد: ص283 ؛  نهج البلاغة ، الشريف الرضي : الخطبة رقم 202 .
[7] نهج البلاغة، الشريف الرضي: الخطبة رقم: 202
[8] الأمالي ، الشيخ المفيد : ص282
[9] لمزيد من الاطلاع، ينظر: معارضة حديث لا نورث للقرآن والسُنّة واللغة، السيد نبيل الحسني: 220/ 222، إصدار مؤسسة علوم نهج البلاغة التابعة للعتبة الحسينية المقدسة، ط1 دار الوارث كربلاء- 2021م – مع بعض التصرف والإضافة-.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.2177 Seconds