حالة المجتمع الكوفي في فكر الإمام علي (عليه السلام) ثالثاً- موقف الإمام علي (عليه السلام) من العرب البدو

مقالات وبحوث

حالة المجتمع الكوفي في فكر الإمام علي (عليه السلام) ثالثاً- موقف الإمام علي (عليه السلام) من العرب البدو

383 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 04-04-2024

بقلم: د. جليل منصور العريَّض

الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم والثناء بما قدم والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطاهرين.

أما بعد:

يصف ابن خلدون البدو «بطبيعة التوحش الذي فيهم، أهل انتهاب وعبث، ينتهبون ما قدروا عليه من غير مغالبة ولا ركب خطر...(وأنهم) إذ تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب، والسبب في ذلك انهم امة وحشية، باستحكام عوائد التوحش واسبابه فيهم، فصار خلقا وجبلة، وكان عندهم ملذوذاً، لما فيه من الخروج عن ربقة الحكم وعدم الانقياد للسياسة، وهذه منافية للعمران»([1])، وذلك الوصف الواقعي لم يأت عند ابن خلدون من فراغ، إذ لابد أنه قد عايش البدو واحتك بهم وعانى منهم جراء رحلاته الطويلة([2]) وتقلبه في مناصب القضاء([3]) بالإضافة إلى احتكاكه المباشر بالمغول([4]) كما تحدثنا سيرته، ثم ان قراءته في التاريخ وسبر اغوار احداثه، جعله يمعن الفكر في الاجتماع البشري بعين الباحث الدقيق([5])، فاستطاع ان يصور الحقيقة بأمانة وصدق، ودراستنا لحال الأعراب الذين كانوا يستوطنون الكوفة دليل على ذلك، ان أولئك رغم انتقالهم من الصحراء إلى المجتمع الحضري، فإن ذلك الانتقال لم يغير من طبائعهم بسبب تقوقعهم على أنفسهم عن طريق التكتل القبلي، فلم تعمل الحضارة في حياتهم وعاداتهم، لكونهم قد انتقلوا من الصحراء على شكل جماعات، وحملوا معهم طباعهم وعاداتهم التي ورثوها فأصحبت جبلة فيهم لا يمكن تغييرها، الا بالاحتكاك المباشر بالحضارة وهذا ما لم يفعلوه لتعارضه واساليبهم في الغزو والاستيلاء والنهب، فعلى سبيل المثال، عدم تعريقهم بين الحملات العسكرية المراد منها إعادة أولئك المحاربين من البدو ما أبداه علي عليه السلام تجاه أهل البصرة من تسامح بعد وقعة الجمل سنة وست وثلاثين، فقد احل علي عليه السلام لجيشه الاستيلاء على كل ما في معسكر المناوئين له، دون اسر الرجال وسبي النساء، أو مصادرة ما حوته مساكنهم من اموال، فقد كان علي عليه السلام ينظر لأولئك نظرة الخارجين عن الصف الإسلامي، لا نظرته إلى الكافرين أو المرتدين، وذلك امتثالاً لما ورد في الذكر الحكيم:
﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ الله فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾([6]) وقد عمل علي عليه السلام بحكم الآية الكريمة بتمامه، فحاول الاصلاح بين الفئتين على أساس أن كلتيهما تدينان بالإسلام، ولكن أولئك الأعراب الذين ملكت المادة عليهم كل سبيل لم يقبلوا ذلك منه، بقولهم باستنكار «ما أحل لنا دماءهم وحرم علينا اموالهم»([7]) لأنهم لم يشربوا الإسلام في قلوبهم، وأقصروا نظرتهم على الجانب المادي، ومن المعتقد أن الجدل قد استمر بينهم وبين علي عليه السلام ولم يقتنعوا بوجهة نظره إلا بعد أن قال لهم «هذه عائشة رأس القوم أتتساهمون عليها؟([8]). يبدو أن الطابع البدوي قد غلب المجتمع الكوفي، بحيث أثر في أخلاق المجتمع وسار بالقيم نحو التداعي، مما جعل علي عليه السلام يتصدى له بكل قوة متبرماً من ذلك «اعلموا أنكم صرتم بعد الهجرة اعراباً، وبعد الموالاة أحزاباً، لا تعقلون من الإسلام إلا اسمه، ولا تعرفون من الإيمان إلا رسمه تقولون النار ولا العار، كأنكم تريدون ان تكفئوا الإسلام على وجهه، انتهاكاً لحريمه، ونقضاً لميثاقه الذي وضعه لكم حرما في أرضه»([9]).
لقد كان أولئك الأعراب يعرضون ولاءهم على من يغدق عليهم وكان علي عليه السلام على دراية تامة بأساليبهم في تقربهم إلى الولاة والحكام، لذلك لاحقهم وتتبع تحركاتهم، خاصة ان انتقالهم إلى المجتمع المدني لم يشذب اخلاقهم، ولم يغير من عادتهم، فعنصر الغزو الذي تشبعت به نفوسهم، قد شذب الإسلام بعض جوانبه، إلا أنه ما برح يراود نفوسهم، لذلك سلكوا أسلوباً آخر للكسب على حساب الأمة بإغراء ولاة الاقاليم بتبينهم ـ فمن خلال رسالة كتبها علي عليه السلام إلى واليه علي أردشير-خرة([10]) نستنتج ان ذلك العامل ـ بما تحمله نفسه من روح البداوة كان يغدق العطاء من اموال المسلمين على من اعتامه من اعراب قومه، لذلك كتب إليه علي بأسلوب مشحون بالغضب يتهدده متوعداً «فو الذي فلق الحبة، وبرا النسمة، لئن كان ذلك حقا، لتجدن لك علي هوانا، ولتخفن عندي ميزانا»([11]). وقد ظل أولئك الأعراب عقبة كأداء في خطط علي عليه السلام الإصلاحية، خاصة بعد أن انضوى معظمهم تحت راية الذين خرجوا على علي عليه السلام بعد قضية رفع المصاحف في صفين، وبعد مهزلة التحكيم، واحدثوا احداثاً منافية للروح الإسلامية([12]) ولم يتمكن الإمام علي عليه السلام من اعادة صف المجتمع الكوفي الا بعد قضائه على معظمهم في وقعة النهروان([13]) سنة تسع وثلاثين، ولكن لم يحالفه الحظ في إتمام خطه الاصلاحي حين استشهد على يد واحد من أولئك الخوارج في السنة الاربعين هجرية)(([14])).

الهوامش:
([1]) مقدمة ابن خلدون ص 186، 187.
([2]) حول رحلات ابن خلدون المتعددة راجع تاريخه 7/437، 548، 557، 648، 657.
([3]) بشأن تولي ابن خلدون منصب القضاء راجع تاريخه 7/ 563، 714، 741.
([4]) بشأن مقابلة ابن خلدون التتار أو المغول راجع تاريخه 7/728، أما بشأن التتار وكيف بدأت هجماتهم على البلاد الإسلامية فراجع ـ ابن أبي الحديد 8/2 وما بعدها.
([5]) لمعرفة منهج ابن خلدون في فلسفته لتاريخ الشعوب والأمم ـ راجع المقدمة ص 6 وما بعدها.
([6]) الحجر /9.
([7]) العقد الفريد 4/331.
([8]) السابق.
([9]) خطب ـ 240، فقرة 23.
([10]) أردشير خرة: بفتح الأف وسكون الراء وفتح الدال وكسر الشين وياء ساكنة في (اردشير): وخاء مضمومة، وراء مفتوحة مشددة وها (خره)، وهو اسم فارسي مركب معناه بهاء اردشير، واردشير اسم لملك من ملوك الفرس، واردشير-خره من أجل كور فارس وتدخل ضمنها كثير من المدن الهامة كشيراز وكازرون وغيرها ـ معجم البلدان 1/146، أما عامل علي عليه السلام عليها فقد كان مصقلة بن هبيرة الشيباني فسترد ترجمته في ص 396 هامش (2) من هذا البحث.
([11]) رسائل ـ43
([12]) بشأن فتنة الخوارج في خلافة علي عليه السلام والسبب في محاربته اياهم راجع: الدينوري ـ الأخبار الطوال من ص 202 حتى ص 207.
([13]) النهروان: واكثر ما يجري بها على الالسنة بكسر النون، وهي كورة واسعة بين بغداد وواسط من الجانب الشرقي، حدها الأعلى متصل ببغداد، وفيها عدة بلاد متوسطة، وكان بها وقعة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام مع الخوارج مشهودة ـ معجم البلدان 5/324، 325.
([14]) لمزيد من الاطلاع ينظر: فكر الإمام علي عليه السلام كما يبدو في نهج البلاغة: للدكتور جليل منصور العريّض، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص 391-394.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.3392 Seconds