بقلم: د. جليل منصور العريَّض
الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم والثناء بما قدم والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطاهرين.
أما بعد:
إن التنوع في موضوعات نهج البلاغة يمثل حياة علي عليه السلام في مختلف أدوارها، ونعتقد أننا لا نجانب الصواب إذا قلنا أن تلك الموضوعات بتنوعها، يمكن اعتبارها مذكرات شخصية صاغها صاحبها مستلهما وقائعها من تمرسه بالمسؤولية كقائد له وزنه الكبير واهميته العظمى في نشر الدين ومن ثم في توجيه سياسة عصره من وجهة نظر دينية، وقد تمحورت تلك المذكرات والوثائق ـ إذا جاز لنا تسميتها بذلك ـ في خطب ورسائل ووصايا وحكم، اقتضتها مناسباتها، والحاجة إليها كمرتكزات فكرية توضح وجهة نظر القيادة في تعاملها مع الأمة. ولما كانت الخطب من أهم الوسائل الاعلامية التي تربط الحكومة بالأمة وتقرب بينهما، فإن موضوعاتها قد تنوعت في النهج بتنوع الحاجة والظرف والمناسبة، مع تميز كل نوع من أنواع تلك الخطب بخصائص نابعة من طبيعة موضوعاتها، ومن أنواع تلك الخطب.
1ـ الخطب والجهادية:
وهي التي كان علي عليه السلام يلقيها في مسامع اصحابه، لحضهم على الجهاد، للقضاء على الفتن التي ظهرت في أرجاء الدولة، أو لبث الحماس في النفوس، قبل بدء المعركة وفي أثنائها، أو لغرض التوبيخ واللوم بسبب التقاعس عن الجهاد، أو بسبب فشل وانهزام في أثناء المعركة، والسبب في كثرة الخطب الجهادية عند علي عليه السلام يعود إلى عوامل أربعة هي:
1ـ الانقسام الخطير الذي حدث في الصف الإسلامي الذي نجم عنه تردد الكثير من المسلمين في محاربة بعضهم البعض إثر ثورة الأمصار التي نتج عنها مقتل عثمان ومحاولة علي عليه السلام اقناع الجميع بالوقوف إلى جانبه، لإعادة توحيد الصف الإسلامي على أسس قوامها العدل والمساواة بين المسلمين كافة، مما حدا بعلي عليه السلام إلى توجيه خطبه الجهادية في اتجاهين:
أحدهما: اقناع المترددين من المسلمين بالوقوف إلى جانبه.
والثاني: حض من هم تحت أمرته والمطيعين له على المبادرة بالتجمع حوله للقضاء على فتنة الذين يحاولون نكث بيعته، ابتغاء عرض الدنيا.
2ـ نشوب الفتن التي اشعل معاوية اوارها في ارجاء الدولة الإسلامية وما خلّفته تلك الفتن من انتقاض في كثير من ولايات علي عليه السلام، وعلاوة على ذلك ظهور الخوارج، مما استوجب استخدام الخطب الجهادية لحث الناس على المبادرة للقضاء على تلك الفتن وإعادة الأمن والنظام في اطراف الدولة.
3ـ محاولات علي عليه السلام المتكررة في حث أصحابه على الجهاد، وبث النخوة والحماس في النفوس بعد ان هدها الوهن، ودب فيها الخور والضعف، واقعدها التقاعس، والركون إلى حياة الدعة، والقبول بالذل في سبيل ذلك.
4ـ حاجة علي عليه السلام إلى الكلمة الملتهبة بالحماس للرفع من المعنويات وازالة الخوف والرهبة من النفوس قبل بدء المعركة وفي أثنائها، أتاح له إلقاء جملة من الخطب سجل لنا نهج البلاغة جانبا منها، وبطبيعة الحال فإن هذه العوامل قد ميزت الخطب الجهادية بخصائص فكرية معينة (([1]).
الهوامش:
([1]) لمزيد من الاطلاع ينظر: فكر الإمام علي عليه السلام كما يبدو في نهج البلاغة: للدكتور جليل منصور العريّض، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص 614-616.