المباهلة فضيلة علي (عليه السلام) ولو كره المضلون

فضائل الإمام علي عليه السلام

المباهلة فضيلة علي (عليه السلام) ولو كره المضلون

267 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 05-08-2021

م.م علي عباس فاضل

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين، وبعد

تعد المباهلة من الفضائل التي خصّ بها رسولُ الله (صلى الله عليه وآله) أهلَ بيته الأطهار (عليهم السلام) وهم أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين (صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين).

وقد دلت الروايات الكثيرة والبراهين القاطعة بما لا شك فيه أن المقصود من قوله (أنفسنا) أمير المؤمنين (عليه السلام) وذهب إلى ذلك جمع كبير من المفسرين، منهم: الطبري([1])، أبو بكر النيسابوري([2])، والثعالبي([3])، جمال الدين ابن الجوزي([4])، والزمخشري([5])، وابن كثير([6])، والسيوطي([7])وغيرهم كثير، ومن هذه الروايات ما روي عن جابر: "قَالَ جَابر: أَنْفُسنَا وَأَنْفُسكُمْ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعلي وَأَبْنَاءَنَا الْحسن وَالْحُسَيْن وَنِسَاءَنَا فَاطِمَة"([8]).

وعلى الرغم من كل تلك الروايات والبراهين، أراد بعض أصحاب الفكر الضال محو هذه الفضيلة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي عبر عنه القرآن الكريم أنه نفس الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) بقوله تعالى: ((فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ))([9])، عبر التدليس كعادتهم في محاولة لإبعاد أمير المؤمنين (عليه السلام) عن هذه القضية ومنهم أبو حاتم الرازي في تفسيره إذ يقول: " فِي قَوْلِهِ: تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ قَرَأَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ عَلَيْهِمَا وَدَعَاهُمَا إِلَى الْمُبَاهَلَةِ وَأَخَذَ بِيَدِ فَاطِمَةَ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اصْعَدِ الْجَبَلَ وَلا تُبَاهِلُهُ فَإِنَّكَ إِنْ بَاهَلْتَهُ بُؤْتَ بِاللَّعْنِ قَالَ: فَمَا ترى؟ قال: أرى أن تعطيه الْخَرَاجَ وَلا نُبَاهِلُهُ"([10]). فالواضح من هذه الرواية التي نقلها لا وجود لأمير المؤمنين (عليه السلام) في المباهلة، وقد تغافل عن ذكره فيها، وقدمها على سائر الروايات، ليأتي بعد ذلك إلى رواية أخرى يذكر أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال لأمير المؤمنين (عليه السلام) اتبعنا([11])، أي كأنه لم يكن معهم ودعاه النبي (صلى الله عليه وآله) ليكون معهم إن أراد، والحقيقة أن كان يمشي معهم، ولم يوضح المفسر المقصود من قوله (وَأَنْفُسَنَا)، بل تغاضى عنها.

ومع أنه ذهب إلى أن المقصود بأنفسنا أمير المؤمنين (عليه السلام) ينقل الطبري هذه الرواية أيضا في محاولة لإبعاد أمير المؤمنين (عليه السلام) عنها، إذ نقل "عن قتادة قال: بلغنا أن نبي الله صلى الله عليه [وآله] وسلم خرج ليُداعي أهل نجران،  فلما رأوه خرج، هابوا وفَرِقوا، فَرَجعوا، قال معمر، قال قتادة: لما أراد النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم أهل نَجران، أخذَ بيد حسن وحسين وقال لفاطمة: اتبعينا. فلما رأى ذلك أعداءُ الله، رجعوا"([12])، ولا يذكر وجود أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذه الرواية، ولكنه يذكره في رواية أخرى، ولا يفسر قوله: (أنفسنا).

ويذكر الزجاج في معاني القرآن حادثة المباهلة، ويفسر الآلة على أنها لعموم المؤمنين بقوله: "فأمر اللَّه أن يجتمع هو والنساء والأبناء من المؤمنين، وأن يدعوهم إلى أن يتجمعوا هم وآباؤهم ونساؤُهم، ثم يبتهلون ومعنى الابتهال في اللغة المبالغة في الدعاءِ، وأصله الالتعان ... فدعاهم رسول الله - صلى الله عليه [وآله] وسلم - إلى المباهلة"([13]).

"فَقَوله: {نَدع أبناءنا} أَرَادَ بِهِ: الْحسن وَالْحُسَيْن، وَقَوله: {وَنِسَاءَنَا} يَعْنِي: فَاطِمَة، وأنفسنا يَعْنِي: نَفسه وعَلي، فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ قَالَ: {وأنفسنا} وَعلي – [عليه السلام]- غَيره؟ قيل: الْعَرَب تسمى ابْن عَم الرجل نَفسه، وَعلي كَانَ ابْن عَمه، وَقيل: ذكره على الْعُمُوم لجَماعَة أهل الدّين"([14])، والواضح من هذا التفسير محاولة التقليل من وجود أمير المؤمنين (عليه السلام)، ومن ثَمَّ يفسِّر قوله : (أنفسنا) على أن العرب تطلقه على ابن العم بشكل عام، ولهذا لا فضيلة في اختصاصه بأمير المؤمنين (عليه السلام)، لأن باقي أبناء أعمام النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) مشمولون بهذا الوصف، ويحاول مرة أخرى إلى تعميم اللفظ إلى عامة أهل الدين، فيخل في ذلك جميعهم.

أما الزمخشري فعلى الرغم من ذكره لأهل البيت (عليهم السلام) وما اختصوا به، وإيراده لحديث الكساء في تفسير هذه الآية وأنهم هم المخصوصون بها، إلا أنه لم يشر إلى معنى أنفسنا ومن المقصود بها بقوله: "نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ أي يدع كل مني ومنكم أبناءه ونساءه ونفسه إلى المباهلة ثُمَّ نَبْتَهِلْ ثم نتباهل بأن نقول بهلة اللَّه على الكاذب منا ومنكم. والبهلة بالفتح، والضم: اللعنة"([15])، فاللفظ عام مطلق يشمل جميع النساء بما فيها الزوجات وغيرها والأبناء بشكل عام، ونفسه أي شخصه الكريم.

ورغم نقله لتفسير من يقول أن المقصود بأنفسنا أمير المؤمنين (عليه السلام)، يخرج أبو حيان الأندلسي عن الأمانة والمصداقية في سبيل إبعاد أمير المؤمنين (عليه السلام) عن هذه الفضيلة عبر تزييف الرواية التي ذكرها الشعبي عن مسلم، إذ حذف اسم أمير المؤمنين (عليه السلام) منها، إذ يقول: " قَالَ الشَّعْبِيُّ: وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ مَعَ مَنْ حَاجَّهُ مَا ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ: فَاطِمَةَ وحسنا وَحُسَيْنًا، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي» . وَقَالَ قَوْمٌ: الْمُبَاهَلَةُ كَانَتْ عَلَيْهِ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ، بِدَلِيلِ ظَاهِرِ قَوْلِهِ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ عَلَى الْجَمْعِ، ولما دعاهم دعا بأهل الَّذِينَ فِي حَوْزَتِهِ، وَلَوْ عَزَمَ نَصَارَى نَجْرَانَ عَلَى المباهلة وجاؤوا لَهَا، لَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَخْرُجُوا بِأَهَالِيهِمْ لِمُبَاهَلَتِهِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ: بِأَنْفُسِنَا، الْإِخْوَانُ، قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ قَالَ تَعَالَى: (وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ)([16]) أَيْ: إِخْوَانَكُمْ. وَقِيلَ: أَهْلَ دِينِهِ"([17])، لكن الرواية التي ذكرها مسلم فيها اسم أمير المؤمنين (عليه السلام) إذ يقول:" وَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ)([18]) دَعَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ [وآله] وَسَلَّمَ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا فَقَالَ: «اللهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي»"([19]).

ولم يكتف بتزييف الرواية بل حاول التقليل من شأن من حضرها، بقوله: قَوْلِهِ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ عَلَى الْجَمْعِ، يعني عموم أبناء المؤمنين لا فضل لأحد على غيره، وأنه دعاهم بمن كان موجودا عنده وهما الحسن والحسين (عليهما السلام)، وأن أهل نجران لو حضروا بأهاليهم لأخرج النبي (صلى الله عليه وآله) جميع المسلمين وأهاليهم، وهذا بعيد عن مغزى الآية وتفسير باطل والتكلف فيه واضح، لأن النص القرآني قد خصَّ من يحضر المباهلة بأهل بيته وخاصته دون سواهم.

ثم بعد ذلك ينقل الآراء في تفسير قوله: (وَأَنْفُسَنا)، إذ يقول: " قوله تعالى: وَأَنْفُسَنا فيه خمسة أقوال: أحدها: أراد علي بن أبي طالب، قاله الشعبي. والعرب تخبر عن ابن العم بأنه نفس ابن عمه. والثاني: أراد الإخوان، قاله ابن قتيبة. والثالث: أراد أهل دينه، قاله أبو سليمان الدمشقي. والرابع: أراد الأزواج. والخامس: أراد القرابة القريبة"([20])، والظاهر من ذلك محاولة التقليل من مكانة هذه اللفظة في هذا الاستعمال القرآني ودلالتها الحتمية، عبر وضع الاحتمالات التي تؤدي إلى تشتت الحقيقة عبر كثرة الآراء والهدف منها التغطية على حقيقة أن المقصود بها أمير المؤمنين (عليه السلام)لا غيره، لأنه نفس رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأنهما خلقا من نور واحد، والحقيقة لا يحجبها غربال الضلال والمضلين، بل هي ثابتة واضحة جلية كوضوح الشمس في وسط النهار. والحمد لله رب العالمين.

الهوامش:
([1]) جامع البيان في تأويل القرآن: 6/ 482.
([2]) تفسير ابن منذر: 1/ 229.
 ([3])الكشف والبيان عن تفسير القرآن: 3/ 84.
([4]) زاد المسير في علم التفسير: 289.
([5]) الكشاف: 1/ 368.
([6]) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير: 2/ 47.
([7]) الدر المنثور: 2/ 231.
([8])تفسير القرآن العظيم، ابن كثير: 2/55، الدر المنثور: 2/ 231.
([9]) سورة آل عمران: 61.
([10]) تفسير ابن أبي حاتم الرازي: 2/ 667.
([11]) ينظر: تفسير ابن أبي حاتم الرازي: 2/ 667.
([12]) تفسير الطبري: 6/ 481.
([13]) معاني القرآن، الزجاج: 1/ 423.
([14]) تفسير السمعاني: 327.
([15]) الكشاف: 1/ 368.
([16]) سورة الحجرات: 11.
([17]) البحر المحيط في التفسير: 3/ 188.
([18]) سورة آل عمران: 61.
([19]) صحيح مسلم: 4/ 1871.
([20]) البحر المحيط في التفسير: 3/ 188.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1611 Seconds