المبالغة بأسماء الأفعال في نهج البلاغة: رابعاً (إيه)

أثر نهج البلاغة في اللغة والادب

المبالغة بأسماء الأفعال في نهج البلاغة: رابعاً (إيه)

436 مشاهدة

بقلم: د. حيدر هادي الشيباني

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وآله الطيبين الطاهرين.
أما بعد:
فإن أسماء الأفعال من الموضوعات اللغوية التي شغلت عناية الكثيرين من علماء العربية، قدماء ومحدثين ومعاصرين، إذ لم يخلُ كتاب في العربية قدم من ذكرها.
والمراد بأسماء الأفعال المُراد بأسماء الأفعال أنَّها ألفاظ «وُضِعت لتدل على صيغ الأفعال، كما تدلُّ الأسماء على مسمياتها»([1]).
أمّا دلالتُها فقد ذكر كثير من اللغويين أنَّها تفيد المبالغة، فضلاً عن إفادتها الاتِّساع والاختصار، قال ابن السَّرَّاج: «فجميع هذه الأسماء التي سُميَ بها الفعل إنما أُريد بها المبالغة، ولولا ذلك لكانت الأفعال قد كفَت عنها»([2])، وأكد ذلك ابن جني مفسِّرًا، فقال: «وذلك أنك في المبالغة لا بد أن تترك موضعًا إلى موضع، إمّا لفظًا إلى لفظ، وإمّا جنسًا إلى جنس»([3])، وإلى هذا ذهب ابن يعيش([4])، والرضي الاسترابادي([5]).
من هنا نجدها وردت في كتاب نهج البلاغة، وهي على النحو الآتي:
رابعًا: إيهٍ
اسم فعل معناه: زدْ من الحديث أو الفعل([6])، منقول من اسم صوت([7])، وهو إذ يُنوَّن فللتنكير([8])، وقيل: للوصل([9])، ولعلَّ الأقرب إلى طبيعة استعماله أنَّ التنوين فيه يزيد من مبالغته موازنةً بغير المنوَّن([10]).
ورد هذا البناء في نهج البلاغة في موضع واحد؛ في خطبة له (عليه السلام) في تعظيم ما حُجِبَ عن الناس، وكُشِفَ له، والإخبار بما سيكون من أمر الحَجّاج قال فيها: «أمَا واللهِ ليُسلَّطَنَّ عليكم غلامُ ثقيفٍ، الذَّيّالُ، المَيّالُ، يأكلُ خَضِرتَكم، ويُذيب شَحمتَكم، إيهٍ أبا وَذَحة!»([11]).
في النص (إيه) وهو اسم فعل بمعنى: زدْ من الحديث أو العمل.
وقوله (عليه السلام): (أبا وَذَحة) يُريد الحجاج، وأبو وَذَحة: كُنيتُه، ومن عادة العرب - إذا أرادت أنْ تُحقِّرَ إنسانًا وتغضَّ منه - كنَّتْهُ بما يُستحقَر ويُستهان به ولَمّا كان الإمام يعلم من حال الحجاج نجاسته بالمعاصي والذنوب التي يقترفها مما شوهد بالبصر كانت بمنزلة البعر الملتصق بشَعر الشاء كنَّاه أبا وَذَحة([12]).
ومعنى: «إيهٍ أبا وَذَحة» أي: ضاعِفْ يا حَجّاج من ضغوطِك على الأفراد الذين لم يتَّعظوا وينتصحوا من إمامهم العادل، كنايةً عن استحقاقهم ما يحل بهم من عذاب إلهي، ولا يعني رضا الإمام بذلك([13])، وقريب من هذا المعنى قوله (عليه السلام): «والله إنّ امرءًا يُمَكِّنُ عدوَّه من نفسِه، يعرُق لحمَه، ويَهشِم ُعظمَه، ويَفري جلدَه، لعظيمٌ عجزُه»([14]).
ولو عدنا إلى النص العَلوي محلِّ الشاهد لوجدنا أنَّه زاخرٌ بالصور البيانية والبلاغية؛ منها أنَّ الإمام اختار موقعًا دقيقًا لـ(إيه) يلائم معناه، وكأنَّه بعد أنْ عدد صفات الحجّاج وما سيفعله بالناس من قتلٍ ونهبٍ واضطهاد، قال له: زد من ذلك، ولو قدَّم (عليه السلام) (إيه) على الصفات لاختلَّ المعنى وفسد، وقيل: مِمَّ يزيد الحجاج؟! ومن اللمسات البيانية أيضًا أنَّ الإمام (عليه السلام) أَخَّر كنية الحجاج (أبا وَذَحة) إيحاءً منه إلى عدم إطلاق الصفات جُزافًا ما لم تكن هناك حقائق تسوغها أو وقائع تؤسس لها.([15]).

الهوامش:
([1]) شرح المفصل: 4/25.
([2]) الأصول في النحو: 2/134.
([3]) الخصائص: 3/46.
([4]) ينظر: شرح المفصل: 4/25.
([5]) ينظر: شرح الرضي على الكافية: 3/89.
([6]) ينظر: العين: 4/103 (إيه)، وإصلاح المنطق: 291، والمقتضب: 3/25، والأصول في النحو: 2/130، وشرح المفصل: 4/31.
([7]) ينظر: كتاب سيبويه: 3/302، وشرح الرضي على الكافية: 3/84-85.
([8]) ينظر: كتاب سيبويه: 3/302.
([9]) ينظر: السابق: 3/302، وإصلاح المنطق: 292.
([10]) ينظر: اسم الفعل دراسة وطريقة تيسير: 68.
([11]) شرح (ابن أبي الحديد): 7/277، الذيّال: التائه، الميّال: الظالم، الوذَحة: الخنفساء أو ما يلتصق من البَعر بشَعر الشاء.
([12]) ينظر: السابق:7/280 -281.
([13]) ينظر: نفحات الولاية: 5/102.
([14]) شرح (ابن أبي الحديد): 2/189. يعرُق لحمه: يأكل لحمَه حتى لا يبقى منه شيء على العظم.
[15] لمزيد من الاطلاع ينظر: ابنية المبالغة وأنماطها في نهج البلاغة، حيدر هادي الشيباني، ط: مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة: ص131 - 133.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1257 Seconds