من دلالة الأفعال في الخطبة المونقة: قوله (عليه السلام): ((ولَم يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ في صُنْعِهِ))

أثر نهج البلاغة في اللغة والادب

من دلالة الأفعال في الخطبة المونقة: قوله (عليه السلام): ((ولَم يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ في صُنْعِهِ))

675 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 02-02-2022

بقلم: الدكتور مصطفى كاظم شغيدل – الجامعة المستنصرية

((الحمد لله الذي صدقنا وعده هي مقالة المتقين، وصلى الله على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين.
وبعد:
امتازت الخطبة المونقة لأمير المؤمنين عليه السلام والتي تسمى أيضا بـ(الخطبة الخالية من الألف) بكثرة الأفعال فيها، إذ وصلت إلى (170) فعل، فضلاً عما جاء مكرراً وبصيغة مختلفة؛ وهذه الخطبة مع أنها قيلت في موضع التندر لخلوها من الألف، غير أنها لم تكن خالية من الفكر بمختلف أبعاده، وهو على النحو الآتي:
قوله (عليه السلام): ((ولَم يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ في صُنْعِهِ))
قال ابن فارس: «الكاف والواو والنُّون أَصلٌ يدلُّ على الإخبار عن حدوث شيء، إمَّا في زمانٍ ماضٍ، أَو زمان راهن»[1].
وقال الرَّاغب: «كان: عبارة عمَّا مضى من الزَّمان، وفي كثير من وصف الله تعالى تُنبئ عن معنى الأَزليَّة، قال: (وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً) [الأَحزاب/ 40] ... وما استُعمل منه في جنس الشَّيء متعلِّقاً بوصف له هو موجود فيه فتنبيهٌ على أَنَّ ذلك الوصف لازمٌ له، قليل الانفكاك منه. نحو قوله في الإنسان: (وَكانَ الإِنْسانُ كَفُوراً) [الإسراء/ 67] ... فذلك تنبيهٌ على أَنَّ ذلك الوصف لازمٌ له قليل الانفكاك منه...» [2]. والكون: الحدث، وقد كان يكون كَوْناً وكينونةً، والكائنة: الحادثة: وكوَّن اللهُ الأَشياء: أَوْجَدَهَا. وكوَّنَهُ فتكوَّنَ، و«كان» ترفع الاسم وتنصب الخبر، والمصدر الكون الكِيان والكينونة. وتكون «كان» زائدة، وتامَّة بمعنى «ثبت»، كان الله، ولا شيء معه، وبمعنى «حدث»: إذا كان الشِّتاء، فأَدفئوني[3]، والكائن اسم لله تعالى «باعتبار قيامه بذاته، لا بالوجود الطَّارد للعدم، وإنــَّما الوجود اسم من أَسمائه به قوام كلِّ موجود، وبه يكون»[4].
وورد هذا الفعل «كان» في الخطبة مرَّتين مطابقاً دلالته اللُّغوية، ذكره أَمير المؤمنين (عليه السلام) في المرَّة الأُولى في مقام تمجيد الله ــ تبارك وتعالى ــ، وبيان صفاته ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ وأَنــَّه مُتصرِّف بالخلق، كيف يشاء ومتى يشاء، فهو الفرد الأَحد، لا شريك له في ملكه؛ إذ قال (عليه السلام): «وشَهِدْتُ لَهُ شُهُودَ مُخْلِصٍ مُوْقِنٍ، وَفَرَّدْتُهُ تفْرِيدَ مُؤْمِنٍ مُتْقِنٍ، وَوَحَّدتُهُ تَوْحِيدَ عَبْدٍ مُذْعِنٍ، لَيسَ لَهُ شَريْكٌ في مُلْكِهِ، ولَم يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ في صُنْعِهِ». و«كان» ــ هنا ــ فعل مضارع مجزوم لدخول «لم» الجازمة عليه، وعلامة جزمه السُّكون، وإذا جُزِمَ الفعل المضارع من «كان» قيل: لم يَكُنْ، والأَصل: يَكُونُ، فحذفَ الجازمُ الضَّمَّةَ الَّتي على النُّون، فالتقى ساكنان «الواو، والنُّون»؛ فحُذف الواو لالتقاء السَّاكنين؛ فصار اللَّفظ «لم يَكُنْ»[5]، واسم «كان» هو «وليٌّ» مرفوع، وعلامة رفعه الضَّمَّة الظَّاهرة على آخره، و«لَهُ» اللَّام حرف جرٍّ، والهاء ضمير متـَّصل مبنيٌّ في محلِّ جرٍّ بحرف الجرِّ، والجارُّ والمجرور إمَّا أَنْ يكون متعلِّقاً بخبر محذوف ــ خبر كان ــ تقديره «كائن» أَو «استقرَّ»، أَو أَنــَّه خبر «كان»، فهو قسم برأْسه، وليس من قبيل المفرد، ولا من قبيل الجملة[6].
أَمَّا المرَّة الثــَّانية الَّتي ورد فيها الفعل «كان»، ففي مقام وصيَّة أَمير المؤمنين (عليه السلام) معشر مَنْ كان حاضراً في وقت إلقاء الخطبة بتقوى الله ــ تبارك وتعالى ــ، وتذكُّرِ سُنَّةِ النَّبيِّ الأَعظم ــ صَلَّى اللهُ عَلِيهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ ــ، والتَّحذير من يوم القيامة؛ إذ قال (عليه السلام): «وَصَيْتُكُم مَعْشَرَ مَنْ حَضَرَنِي: بـِتَقْوَى رَبِّكُم، وَذَكَّرتُكُم بـِسُنَّةِ نـَبـِيِّكُم... وَلْتَكُنْ مَسْألَتُكُم مَسْأَلةَ ذُلٍّ وَخُضُوْعٍ، وَشُكْرٍ وَخُشُوْعٍ، وَتَوْبَةٍ وَنُزُوْعٍ، وَنَدَمٍ وَرُجُوعٍ».
و«ولتَكُنْ» فعل مضارع مجزوم بلام الأَمر، وعلامة جزمه السُّكون، «مسألتكم» اسم «كان» مرفوع، وعلامة رفعه الضَّمَّة الظَّاهرة على آخره، وهو مضاف و«كم» ضمير متــَّصل مبنيٌّ في محلِّ جرٍّ بالإضافة، و«مسألة» خبر «كان» منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظَّاهرة على آخره، وهو مضاف، و«ذُلٍّ» مضاف إليه مجرور، وعلامة جرِّه الكسرة الظَّاهرة على آخره، و«خضوع» الواو حرف عطف، و«خضوع» معطوف مجرور وعلامة جرِّه الكسرة الظَّاهرة على آخره)[7].

الهوامش:
[1]. معجم مقاييس اللغة 5/ 148.
[2]. مفردات ألفاظ القرآن: 730.
[3]. ينظر: لسان العرب: 13/366.
[4]. اشتقاق أسماء الله: 138.
[5]. ينظر: أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك: 1/268 و269، ومنهج السالك إلى ألفية ابن مالك: 1/442.
[6]. ينظر: شرح ابن عقيل: 1/211، وحاشية الخضري: 1/96.
[7]لمزيد من الاطلاع ينظر: الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام بين الدلالة المعجمية والاستعمال الوظيفي: للدكتور مصطفى كاظم شغيدل، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص 63 - 65.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1671 Seconds