من ألفاظ الحياة الاجتماعية في نهج البلاغة لقاح الإبل ونتاجها 5- العُوذ

أثر نهج البلاغة في اللغة والادب

من ألفاظ الحياة الاجتماعية في نهج البلاغة لقاح الإبل ونتاجها 5- العُوذ

9 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 16-08-2026

بقلم: د. حسام عدنان الياسري.

الحمد لله الذي علا بحوله، ودنا بطوله، مانع كل غنيمة وفضل، وكاشف عظيمة وأزل، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الاطهار.

وبعد:
العُوْذ جمع عائذ، وهي الناقة إذا وضعت ولدها أياماً يقوى عنها وذلك لسبعة أيام، كما وقَّت لها([1]). وهي بمنزلة النفساء من النساء([2]). والعُوْذُ لفظ يشمل الحديثات النتاج من الدواب، وهي الإبل والظباء والخيل([3]). وقد وردت لفظة (العُوذ) مرة واحدة في كلام أمير المؤمنين في نهج البلاغة([4])؛ للدلالة على النوق الحديثة النتاج التي يعوذ بها فصيلها. وذلك في سياق كلامه عن بيعته بالخلافة الذي يصف فيه أمر الناس وحالهم عندها قائلاً: ((فَأَقْبَلْتُمْ إِلَيَّ إِقْبَالَ الْعُوذِ الْمَطَافِيل عَلَى أولاَدِهَا، تَقُولُونَ: الْبَيْعَةَ الْبَيْعَةَ...))([5]). ويذكر الإمام الناس في هذا النص بتهافتهم عليه يوم بيعته، مشبهاً إقبالهم إليه بـ((إقْبَالَ العُوْذِ المَطَافِيل)) و (الإقْبَالُ) هو المجيءُ([6]). وهو ضرب من استقبال الإبل عند سوقها([7]). ومشيها نحو غايتها التي تساق إليها وإما (العُوْذ)، فهي النوق التي وضعت أولادها لسبعة أيامٍ([8])، وهي بمنزلة النفساء من النساء. كأنها تبقى ترعى ولدها وتقوم بأمره، فهي عائذٌ له؛ وهو يَعُوذ بها، ولهذا سميت (عُوذاً)؛ لأنها يُعاذ بها([9]). كأن حداثة عهدها بالنتاج يتطلب منها أن تحنو على ولدها؛ لأنه حديث العهد بالولادة أيضاً، وهو أشد ما يكون حاجة إلى الرعاية والعناية. فيعوذ بِأُمِّه، ويرقى بها كل شيء، سواء أكان جوعاً أم عاطفة أم حناناً تضفيها الأم عليه. وأما لفظة (المَطَافيِل)، فقد عزز بها الإمام المفردة الأولى كأنه يشير إلى أن (العُوْذ)؛ من النياق حينما تقبل، تجيءُ معها أطفالها الصِّغار، وهي فصلانها([10]). وقد افترق شراح نهج البلاغة فريقين في دلالة لفظة (العُوذ) فمنهم من وافق اللغويين في دلالتها، وأشار إلى أنها تدل على النوق الحديثة العهد بالنتاج والولادة. ومن هؤلاء ابن أبي الحديد([11])، أبو الحسين يحيى بن حمزة الحسيني([12]). في حين انفرد الشارح البحراني بتفسير مفردة (العُوذ) بـ (الناقة المُسِنّة)([13]). ويبدو أنه استند في رأيه هذا على وجود لفظة (المَطَافيل) في السياق نفسه الذي جاءت فيه لفظة (العُوذ)، التي جعلها دالة على النوق القريبة العهد بالولادة، كأن المعنى عنده  إقبال النوق، كبيرها مع فصلانها التي ترعاها.

 لقد استعمل الإمام التعبير السالف الذكر على سبيل تشبيه إقبال الناس وورودهم عليه، بإقبال الإبل التي ترعى أولادها الصغار، والإبل المطفلة التي لما تزل تصحبها صغارها، وقد زال عنها اسم (العُوذ). إشارة إلى خروج الناس إلى بيعته، كباراً وصغاراً رجالاً ونساء، تُفَساء وأُمهات. والمفردة المتقدمة يمكن أن تستعمل للدلالة على كل أنثى عائذ، مرّت بضعة أيام على ولادتها، فيعوذ بها ولدها خلال هذه الفترة.. وبهذا يكون الإمام قد شبه النساء اللواتي أقبلن إلى بيعته (بالعُوْذ) من الإبل، التي عاذ بها أولادها، وبالمطافيل وهن ذوات الاطفال من النوق. كأن هذه الطائفة من النسوة والرجال قد عاذوا بالإمام ولجأوا اليه؛ لأجل حمايته لهم وللناس جميعاً، فهو الأولى بحفظ الناس صغيرهم وكبيرهم من بطش الجبارين. ويمكن بيان هذا المعنى من كلام آخر للإمام يصف فيه بيعته بالخلافة، وهو قوله: ((... ثُمَّ تَدَاكَكْتُمْ عَلَيَّ تَدَاكَّ الإبل الْهِيمِ عَلَى حِيَاضِهَا يَوْمَ وِرْدِهَا، حَتَّى أنْقَطَعَتِ النَّعْلُ، وَسَقَطَ الرِّدَاءُ، وَوُطِىءَ الضَّعِيفُ، وَبَلَغَ مِنْ سُرُورِ النَّاسِ بِبَيْعَتِهِمْ إِيَّايَ أَنِ ابْتَهَجَ بِهَا الصَّغِيرُ، وَهَدَجَ إِلَيْهَا الْكَبِيرُ، وَتَحَامَلَ نَحْوَهَا الْعَلِيلُ، وَحَسَرَتْ إِلَيْهَا الْكِعَابُ))([14]). وهذا النص يفسر ما أورده الإمام في كلامه ((فأقْبَلتُم اليّ إقبَالَ العُوْذِ المطافيل))، فإنه يذكر فيه حال الناس يوم البيعة، وأصناف من خرج اليها وابتهج، مشبهاً ذلك (بإقّبَالِ العُوْذِ المطافيل) ومشيها إلى غايتها ووجه الشبه شدة الإقبال، والحرص على بيعة الإمام (عليه السلام)([15]). وقد تمثل هذا الحرص بقوله لهم (البَيْعَةَ البَيْعَة). وأما إجمال في هذا النص واقتصاره على تشبيه الذين هبوا لبيعته باقبال النوق العائذة لفصلانها والمطفلة منها؛ لأن المقام الذي يتحدث فيه هو مقام تذكير ولوم وعتاب بما أقدموا عليه يوم بيعته، وإنهم إنّما فعلوا ذلك طائعين غير مكرهين فلم تكن بيعتهم له فلتة([16]). ولهذا ذكرهم غير مرة بقوله: ((قَبَضْتُ كَفِّي فَبَسَطْتُمُوهَا، وَنَازَعَتْكُمْ يَدِي فَجَاذَبْتُمُوهَا))([17]). ويفهم من ذلك أن المخصوصين بالخطاب هم (طَلْحة، والزُّبَير)، فإنهما بايعا أمير المؤمنين، ومن ثم نكثا البيعة وخرجا من الكوفة إلى البصرة للتأليب عليه مع بعض الناس اللذين لا موقف لهم يقوي ذلك أن الخطبة التي يذكر فيها قول الإمام: ((فأقْبَلتُم اليّ إقبَالَ العُوْذِ المطافيل)) يتصدرها لوم وتقريح (لطلحة والزبير)، ومن ثم حديث عن طلبهم بثأر الخليفة (عثمان)، وقيامهم بأمر بالبغي على الإمام)([18]).

الهوامش:
([1]) ينظر: تهذيب اللغة (عوذ): 9/439.
([2]) ينظر: تهذيب اللغة (عوذ): 3/94.
([3]) ينظر: لسان العرب (عوذ): 3/500، وتاج العروس (عوذ): 9/439.
([4]) ينظر: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 327.
([5]) نهج البلاغة: خ/137: 245، وقد نقلت المدونات اللغوية قول الإمام المتقدم، ينظر: النهاية في غريب الحديث:3/130، ولسان العرب (عوذ): 3/500، وتاج العروس (عوذ): 9/439، و(طفل) 29 / 372.
([6]) ينظر: المحكم (قبل): 6/427.
([7]) ينظر: العين (قبل): 5/169.
([8]) ينظر: تهذيب اللغة (عوذ): 3/94، وتاج العروس (عوذ): 439.
([9]) ينظر: لسان العرب (عوذ): 3/499.
([10]) ينظر: غريب الحديث (ابن الجوزي): 2/174.
([11]) ينظر: شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد): 9/31.
([12]) ينظر: اليباج الوضي: 3/1116.
([13]) ينظر: شرح نهج البلاغة (البحراني): 3/584.
([14]) نهج البلاغة: خ/229: 443، 444.
([15]) ينظر: شرح نهج البلاغة (البحراني): 3/584. والديباج الوضي: 3/1116.
([16]) إشارة إلى خطابة (g) في شأن بعضهم – وهم فيما أحسب طلحة والزبير – إذ يقول: ((لَمْ تَكُنْ بَيْعَتَكُم إيّايَ فَلْتَةً...)) نهج البلاغة: خ/136: 244.
([17]) نهج البلاغة: خ/137: 245.
([18]) لمزيد من الاطلاع ينظر: ألفاظ الحياة الاجتماعية في نهج البلاغة: للدكتور حسام عدنان رحيم الياسري، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص 199-202.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.2273 Seconds