بقلم: د. سحر ناجي المشهدي
الحمد لله الأول قبل الإنشاء، والآخر بعد فناء الأشياء، أحمده استتمامًا لنعمته، واستعصاماً من معصيته، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على من اصطفى من الخلق أجمعين سيدنا ونبينا محمد وآل الطاهرين..
اما بعد:
ورد هذا اللفظ خمس مرات في نهج البلاغة، ودلَّ على المعنى الحقيقي وهو الرغيف المصنوع من العجين، إذ جاء هذا اللفظ مفردا معرفا بـ (ال) مسبوقا بحروف الجر في وصف نبينا داود (عليه السَّلام) بأنه كان يأكل قرص الشعيرقائلاً: «وَإِنْ شِئْتَ ثَلَّثْتُ بِدَاوودَ صَاحِبِ الْمَزَامِيرِ، ... وَيَأْكُلُ قُرْصَ الشَّعِيرِ مِنْ ثَمَنِهَا»([1]).
فإضافة الشعير الى قرصها الغرض منها بيان النوع. وهو درس في الزُّهد وضرب المثل بثلاثة من الأنبياء موسى وداوود وعيسى، كان من طيب صوت داوود (عليه السلام) أن تقع له الطيور، ولا تنفره الوحوش تسمعه وهو في محرابه؛ لذا وصفه بـ(صاحب المزامير) وهي آلة يزمر فيها؛ لكن داوود (عليه السلام) كانت مزاميره من الزبور وأنواع الدعاء، وقد كان يعمل بيديه سفائف الخوص: نسائج ورق النخيل، وهذا قبل أن يلان له الحديد، وجملة (أيكم يكفيني بيعها) استفهام فيه اشارة الى أنه أراد شخصا يبيعها ويستفاد مقدارا من ثمنها([2]).
وجاءت لفظة (قرصيه) في قوله (عليه السلام): «أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَأمُوم إِمَاماً، يَقْتَدِي بِهِ، وَيَسْتَضِيءُ بِنُورِ عِلْمِهِ. أَلاَ وَإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ، وَمِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ»([3]).
زهد الإمام يتبين في أدق معانيه كرامة له، والطمرين (ثوبين باليين) والقرصين (خبز الشعير اليابس الفارغ من الأدام)، فنبه على أن زهده واقتصاره على الطمرين والقرصين لرياضة لنفسه([4]).
وجاء مجموعا على زنة (أفعال) جمع القلة من القرص مضافة الى ضمير الغائب» فَاتَّقِ اللهَ يَابْنَ حُنَيْف، وَلْتَكْفُفْ أَقْرَاصُكَ، لِيَكُونَ مِنْ النَّارِ خَلاَصُكَ» ([5])، وهنا تأنيب من الامام الى عامله عثمان بن حنيف اذ استعمل عنصر التشخيص، فجعل (اقراصك) في موضع الفاعل للفعل (تكفف)، فيأمر الاقراص بالكف عنه للترفع به عن كونه راغبا بالدنيا لأنه من اصحاب الإمام، ويلحظ في اسلوبه هنا التأدب وعدم المساس بصاحبه فجعل التأنيب والأمر للأقراص وأنزلها منزلة من يعقل([6]).
والقُرْصُ: من الخُبْزِ وشِبهِهِ، والجميعُ: القِرَصة، والواحدة الصَّغيرةُ: قُـرْصةٌ، والتَّذكيرُ أعَمٌ، وقَرَصْتُ العَجينَ: قَطَعتـُه قُـرْصةً. وكلُّ ما أخذْتَ شيئاً بين شيئين وعَصَرتَ أو قَطَعتَ فقد قَرَصْتَه ([7]) يقول ابن فارس: «القاف والراء والصاد اصل صحيح يدل على قبض شيء بأطراف الأصابع الاصابع مع نبر...، وقرًصت المرأة العجين: قطًعته قرصة قرصة»([8]).
والقُرْص: من الخبز وما اشبهه. ويقال للمرأة: قرصي العجين، أي سويته قِرصَة. وقرص العجين: قطًعه ليبسطه قُرصة قُرْصةً، والتشديد للتكثير، والجمع أقراص وقِرصَة وقِراص([9]))([10]).
الهوامش:
([1]) نهج البلاغة: خ 160، 161.
([2]) ظ: منهاج البراعة: 9 / 306، وظ: شرح نهج البلاغة: ناصر مكارم الشيرازي: 6 / 169.
([3]) نهج البلاغة: ك 45، 313.
([4]) ظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 5 / 103.
([5]) نهج البلاغة: ك 45، 315.
([6]) ذكر شارح النَّهْج (ابن ابي الحديد) في شرحه 16 / 227 رواية بنصب (أقراصَك) فالنَّهي موجه الى عثمان بن حنيف لفظا ومعنى، ورواية الرفع هي أقوى وأدلُّ من النصَّبِ. ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 1334.
([7]) ظ: العين (مادة قرص): 5 / 61.
([8]) مقاييس اللغة: 5 / 71.
([9]) ظ: لسان العرب (مادة قرص): 5 / 3588.
([10]) لمزيد من الاطلاع ينظر: المعجم الاقتصادي في نهج البلاغة، للدكتورة سحر ناجي المشهدي، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص 343-346.