بقلم: د. سحر ناجي المشهدي
الحمد لله الأول قبل الإنشاء، والآخر بعد فناء الأشياء، أحمده استتمامًا لنعمته، واستعصاماً من معصيته، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على من اصطفى من الخلق أجمعين سيدنا ونبينا محمد وآل الطاهرين..
اما بعد:
ورد هذا اللفظ في ثمانية مواضع من النَّهْج، ليدل على المعنى الحقيقي: وهو ما يصلح بدن الإنسان من الأطعمة، جاء في كتاب الإمام الى عثمان بن حنيف قائلاً: «وَكَأَنِّي بِقَائِلِكُمْ يَقُولُ: إِذَا كَانَ هذَا قُوتُ ابْنِ أَبِي طَالِب، فَقَدْ قَعَدَ بِهِ الضَّعْفُ عَنْ قِتَالِ الاْقْرَانِ وَمُنَازَلَةِ الشُّجْعَانِ». ([1])
مخالفون الإمام يعترضون عليه في زهده ويذمونه بقلة أكله، فيعدونه مخلاً بما يجب عليه من الجهاد والدفاع؛ لأنه موجب لضعفه وقلة، في بيان أن هنالك رابطة بين القوة الجسمانية ونوع الغذاء، وارتفع صوتهم من الكوفة الى البصرة، فقوته ذاتية ولا تتوقف على تقوية الجسم بالأغذية اللذيذة([2]).
فشبه لهم نفسه بالشجرة البرية فهي أصلب في عوها من الروائع الخضراء، فهو والرسول غصنان من شجرة واحدة وأصلهم عبد المُطَّلِب.
في خطابه الى ابن آدم قال: (عليه السلام): «يَابْنَ آدَمَ مَا كَسَبْتَ فَوْقَ قُوتِكَ، فَأَنْتَ فِيهِ خَازِنٌ لِغَيْرِكَ»([3]).
ومقصوده ليس الاقتصار على الكسب والعمل بتحصيل القوت؛ بل عدم إدِّخار المال وجمعه ومنعه من ذوي الحقوق والمستحقين، بل صرفه في سبيل مصالح الملة والدِّين. وتحصيل الثروة بالزِّرع وإحداث القنوات، صرفه في سبيل مصالح الدين وفي صفاته تعالى قُوتِها: «وَيَعْلَمُ مَسْقَطَ الْقَطْرَةِ وَمَقَرَّهَا، وَمَسْحَبَ الذَّرَّةِ وَمَجَرَّهَا، وَمَا يَكْفِي الْبَعُوضَةَ مِنْ قُوتِهَا»([4]).
هذه الخطبة بلغت ذروة في الإعجاز، فهي من أفصح وأبلغ الخطب ومستمدة من قوله تعالى {اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} فإن الله يعل بأعظم الأشياء وأصغر المخلوقات، فطعام الذبابة يشير الى بمقدار([5]).
كما ورد جمعا على زنة (افعال) وهو جمع قلة، قال (عليه السلام): «إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ فَرَضَ فِي أَمْوَالِ الاْغْنِيَاءِ أَقْوَاتَ الْفُقَرَاءِ، فَمَا جَاعَ فَقِيرٌ إِلاَّ بِمَا مَنَعَ بِهِ غَنِي» ([6]).
وهنا تتحقق المعادلة بين (أموال الأغنياء) (أقوات الفقراء) فسبحانه فرض الزكاة في الأموال، وجعل مصرفها للفقراء. وهو ما يمسك الرًمق من الرزق، وقات يقوت قَوْتا، وانا اقوته أي اعوله برزق قليل([7]).
فالقاف والواو والتاء اصل صحيح يدل على امساك وحفظ وقدرة على الشيء([8]).
قال تعالى {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ}([9]))([10]).
الهوامش:
([1]) نهج البلاغة: ك 45، 313.
([2]) ظ: منهاج البراعة: 20 / 109 وظ: شرح نهج البلاغة: ناصر مكارم الشيرازي: 10 / 161.
([3]) نهج البلاغة: الحكم القصار: 192، 380.
([4]) خ 182، 189.
([5]) ظ: شرح نهج البلاغة: ناصر مكارم الشيرازي: 7 / 24، والآية الواردة هي الرعد 8.
([6]) نهج البلاغة: الحكم القصار 328، 402.
([7]) ظ: العين (مادة قوت): 5 / 200.
([8]) ظ: مقاييس اللغة: 5 / 38.
([9]) فصلت / 10.
([10]) لمزيد من الاطلاع ينظر: المعجم الاقتصادي في نهج البلاغة، للدكتورة سحر ناجي المشهدي، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص 346-348.