الأخلاق من نهج البلاغة: قمة التواضع ومنتهاه

سلسلة قصار الحكم

الأخلاق من نهج البلاغة: قمة التواضع ومنتهاه

244 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 27-08-2022

بقلم: الشيخ محسن علي المعلم

((الحمد لله كما هو أهله، والصلاة والسلام على هداة الخلق إلى الحق، محمد وآله الطاهرين))

وبعد:
إن مما كشفته النصوص عن تواضعه عليه السلام أن قوماً مدحوه في وجهه، فقال: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَعْلَمُ بِي مِنْ نَفْسِي، وَأَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْهُمْ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا خَيْرًا مِمَّا يَظُنُّونَ، وَاغْفِرْ لَنَا مَا لَا يَعْلَمُونَ»[1].

كشف عليه صلوات ربّه ومربّيه عن جوهر سريرته، ومكنون دخيلته، وجميل طبعه، وكمال وضعه، في مقال طويل، وبيان رائع بعد ما بهرت خطبته في صفين من عقلها فطفق يثني عليه بالغًا، ويذكر سمعه وطاعته له، فأفاض بهذه الرائعة فكرًا وجلالًا وجمالًا:

«إِنَّ مِنْ حَقِّ مَنْ عَظُمَ جَلَالُ اللهِ سُبْحَانَهُ فِي نَفْسِهِ، وَجَلَّ مَوْضِعُهُ مِنْ قَلْبِهِ أَنْ يَصْغُرَ عِنْدَهُ لِعِظَمِ ذَلِكَ كُلُّ مَا سِوَاهُ، وَإِنَّ أَحَقَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَنْ عَظُمَتْ نِعْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ وَلَطُفَ إِحْسَانُهُ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَمْ تَعْظُمْ نِعْمَةُ اللهِ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا ازْدَادَ حَقُّ اللهِ عَلَيْهِ عِظَمًا، وَإِنَّ مِنْ أَسْخَفِ حَالَاتِ الوُلَاةِ عِنْدَ صَالِحِ النَّاسِ أَنْ يُظَنَّ بِهِمْ حُبُّ الفَخْرِ، وَيُوضَعَ أَمْرُهُمْ عَلَى الكِبْرِ، وَقَدْ كَرِهْتُ أَنْ يَكُونَ جَالَ فِي ظَنِّكُمْ أَنِّي أُحِبُّ الإِطْرَاءَ وَاسْتِمَاعَ الثَّنَاءِ، وَلَسْتُ بِحَمْدِ اللهِ كَذَلِكَ، وَلَوْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ لَتَرَكْتُهُ انْحِطَاطًا للهِ سُبْحَانَهُ عَنْ تَنَاوُلِ مَا هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنَ العَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ، وَرُبَّمَا اسْتَحْلَى النَّاسُ الثَّنَاءَ بَعْدَ البَلَاءِ، فَلَا تُثْنُوا عَلَيَّ بِجَمِيلِ ثَنَاءٍ لِإِخْرَاجِي نَفْسِي إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ وَإِلَيْكُمْ مِنَ التَّقِيَّةِ فِي حُقُوقٍ لَمْ أَفْرُغْ مِنْ أَدَائِهَا، وَفَرَائِضَ لَا بُدَّ مِنْ إِمْضَائِهَا، فَلَا تُكَلِّمُونِي بِمَا تُكَلَّمُ بِهِ الجَبَابِرَةُ، وَلَا تَتَحَفَّظُوا مِنِّي بِمَا يُتَحَفَّظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ البَادِرَةِ، وَلَا تُخَالِطُونِي بِالمُصَانَعَةِ، وَلَا تَظُنُّوا بِي اسْتِثْقَالًا فِي حَقٍّ قِيلَ لِي، وَلَا التِمَاسَ إِعْظَامٍ لِنَفْسِي، فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَثْقَلَ الحَقَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَوِ العَدْلَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ كَانَ العَمَلُ بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَيْهِ، فَلَا تَكُفُّوا عَنْ مَقَالَةٍ بِحَقٍّ أَوْ مَشُورَةٍ بِعَدْلٍ، فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِئَ، وَلَا آمَنُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِي، إِلَّا أَنْ يَكْفِيَ اللهُ مِنْ نَفْسِي مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنِّي، فَإِنَّمَا أَنَا وَأَنْتُمْ عَبِيدٌ مَمْلُوكُونَ لِرَبٍّ لَا رَبَّ غَيْرُهُ، يَمْلِكُ مِنَّا مَا لَا نَمْلِكُ مِنْ أَنْفُسِنَا، وَأَخْرَجَنَا مِمَّا كُنَّا فِيهِ إِلَى مَا صَلَحْنَا عَلَيْهِ، فَأَبْدَلَنَا بَعْدَ الضَّلَالَةِ بِالْهُدَى، وَأَعْطَانَا البَصِيرَةَ بَعْدَ العَمَى»[2].

وبعد..

فهذه لمحة تحكي نمطًا مما ظهر من كمالات ذلكم الحكيم الإلهي والإمام الربّاني، وصورًا من خلائقه، شهدها من عاصره ووقف على شأن من شؤون حياته، وأمّا ما حمله فكره، وضمّته جوانحه، وأترعت به نفسه، وانطوى عليه سره فلا يحيط به إلا واهبه، ولا يَخبره إلا من تولى رعايته، فعرفه وعرّفه: «أنا أديبُ الله وعليٌّ أديبي».
وقد أرّخ الإمام عليه السلام التحاقه بمربّيه (صلى الله عليه وآله) وانفراده بشأنه، منذُ أيّامه الأولى، فاستمع، ويا لجلال ما يلقى عليك:

«وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ الله (صلى الله عليه وآله) بِالْقَرَابَةِ القَرِيبَةِ وَالمَنْزِلَةِ الخَصِيصَةِ، وَضَعَنِي فِي حِجْرِهِ وَأَنَا وَلَدٌ، يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِهِ وَيَكْنُفُنِي فِي فِرَاشِهِ وَيُمِسُّنِي جَسَدَهُ وَيُشِمُّنِي عَرْفَهُ، وَكَانَ يَمْضَغُ الشَّيْ‏ءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيهِ، وَمَا وَجَدَ لِي كَذْبَةً فِي قَوْلٍ وَلَا خَطْلَةً فِي فِعْلٍ، وَلَقَدْ قَرَنَ اللهُ بِهِ (صلى الله عليه وآله) مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيمًا أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَتِهِ، يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ المَكَارِمِ، وَمَحَاسِنَ أَخْلَاقِ العَالَمِ، لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ، وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ، يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلَاقِهِ عَلَمًا وَيَأْمُرُنِي بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ، وَلَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ وَلَا يَرَاهُ غَيْرِي، وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي الإِسْلَامِ غَيْرَ رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله) وَخَدِيجَةَ وَأَنَا ثَالِثُهُمَا، أَرَى نُورَ الوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ، وَأَشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ، وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الوَحْيُ عَلَيْهِ (صلى الله عليه وآله)، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا هَذِهِ الرَّنَّةُ؟ فَقَالَ: هَذَا الشَّيْطَانُ قَدْ أَيِسَ مِنْ عِبَادَتِهِ، إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ وَتَرَى مَا أَرَى، إِلَّا أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ، وَلَكِنَّكَ لَوَزِيرٌ، وَإِنَّكَ لَعَلَى خَيْرٍ»[3].
فذلكم النبي في حياطته الشاملة، وعنايته الكاملة غذاء روح وجسم، وعواطف حميمة ومشاعر صادقة، وخلوات وجلوات، وتحليق في الأفق الأعلى والمقام الأسمى، والموطن الأسنى، ووقوف على منتهى الحقائق، وإحاطة بما هنالك، فأعظم به محبوًّا وموهوبًا

ربيبُ طهَ حبيبِ اللهِ أنتَ ومَنْ         كان المربِّي لهُ طهَ فقد برعا[4] ) [5].

 الهوامش:
[1] نهج البلاغة، حكمة100/485.
[2] نهج البلاغة، خ216/334-335.
[3] نهج البلاغة، خ 192/300-301.
[4] للشاعر العُمَري الأفندي من رائعته:

أنتَ العليُّ الذي فوق العُلا رُفِعَا      ببطنِ مكةَ وسطَ البيتِ إِذْ وُضِعا
والقصيدة مذكورة في ديوانه (الترياق الفاروقي).
[5] لمزيد من الاطلاع ينظر: الأخلاق من نهج البلاغة: الشيخ محسن علي المعلم، العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة، ط1، ص99-102.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1681 Seconds