أبعاد الأمن البشري بين قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة ووثيقة الصلح للإمام الحسن (عليه السلام)

آل علي عليهم السلام

أبعاد الأمن البشري بين قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة ووثيقة الصلح للإمام الحسن (عليه السلام)

486 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 15-09-2021

الحلقة الأولى: الأمن الفكري وهو البعد الأول الذي كان مهدورًا

بقلم السيد نبيل الحسني الكربلائي

الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم والثناء بما قدّم من عموم نِعَمٍ ابتدأها وسبوغ آلاء أسداها والصلاة والسلام على حبيبه المنتجب ورسوله المصطفى أبي القاسم محمد وعلى آله أساس الدين وعماد اليقين.
وبعد:
إن الأمن البشري يأتي استجابة لأوجه انعدام الأمن متعددة الأبعاد التي يواجهها البشر، إن هذه الركيزة في مفهوم الأمن الإنساني التي خرجت ضمن وثيقة القرار لجمعية الأمم المتحدة حول الأمن البشري كانت الركيزة الأولى التي تحدث عنها الإمام الحسن عليه السلام إلى الناس والتاريخ حينما أقدم معاوية على ترويج اغتيال الإمام الحسن عليه السلام وبث العيون والجواسيس في البصرة والكوفة لغرض تنفيذ هذا الاغتيال الذي تعددت فيه المحاولات كما تكشف لنا النصوص التاريخية، مما دعى الإمام الحسن عليه السلام إلى اتخاذ بعض الإجراءات الوقائية؛ فضلاً عن بيان إن الخطر الحقيقي والتهديد الرئيسي ليس شخص الإمام الحسن عليه السلام وإنما هو الإنسان نفسه، والمجتمع بمختلف مشاربه وأعراقه، بل المهدد هو الأمة الإسلامية برمّتها؛ بل الأجيال القادمة وما ستشهده من مخاوف ومخاطر ومهانة وذل وفقر.
فكانت هذه الإجراءات التي اتخذها الإمام الحسن عليه السلام إنما هي (استجابة لأوجه انعدام الأمن متعددة الأبعاد التي يواجهها البشر) كما نص عليه قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في الأمن البشري.

وهذه الإجراءات كانت كالآتي:
يفيد النص التاريخي الذي رواه الشيخ الصدوق (رحمه الله) أنّ بعض أهل العراق عزموا على قتل الإمام الحسن عليه السلام أو أسره وإرساله إلى معاوية لغرض الحصول على المال والجاه والسلطة كما كان معاوية يبث ذلك بين الناس.
(فقد دس معاوية إلى عمرو بن حريث، والأشعث بن قيس، وإلى حجر بن الحجر، وشبث بن ربعي، دسيساً أفرد كل واحد منهم بعين من عيونه: إنك إن قتلت الإمام الحسن بن علي فلك مائتا ألف درهم، وجند من أجناد الشام، وبنت من بناتي.
فبلغ الحسن عليه السلام ذلك فاستلام([1]) ولبس درعا وكفرها، وكان يحترز ولا يتقدم للصلاة بهم إلا كذلك.
فرماه أحدهم في الصلاة بسهم فلم يثبت فيه لما عليه من اللامة فلما صار في مظلم ساباط ضربه أحدهم بخنجر مسموم فعمل فيه الخنجر، فأمر عليه السلام أن يعدل به إلى بطن جريحي وعليها عم المختار بن أبي عبيد مسعود بن قيلة.
فقال المختار لعمه تعالى حتى نأخذ الحسن ونسلمه إلى معاوية فيجعل لنا العراق، فبدر بذلك الشيعة من قول المختار لعمه فهموا بقتل المختار فتلطف عمه لمسألة الشيعة بالعفو عن المختار ففعلوا.
فقال الحسن عليه السلام:
«ويلكم والله إن معاوية لا يفي لأحد منكم بما ضمنه في قتلي وإني أظن أني وإن وضعت يدي في يده فأسالمه لم يتركني أدين يدين جدي صلى الله عليه وآله وسلم وإني أقدر أن أ عبد الله وحدي ولكن كأني أنظر إلى أبنائكم واقفين على أبواب أبنائهم يستسقونهم ويستطعمونهم بما جعله الله لهم فلا يسقون ولا يطعمون فبعدا وسحقا لما كسبته أيديكم:
{...وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}([2])»)([3]).
ويكشف هذا النص عن أوجه انعدام الأمن المتعددة الأبعاد التي يواجهها البشر، وهي كالآتي:
ألف: انعدام الأمن الفكري وهو البعد الأول الذي كان مهدداً
إن أول هذه الأبعاد المتعددة التي يواجهها البشر في انعدام الأمن هو الأمن الفكري والذي حرص معاوية على هتكه أشد الحرص كما أثبتته الوقائع التاريخية خلال تولي معاوية الحكم والذي سنمر على بيان بعض شواهده لاحقاً.
ولذلك: يبين الإمام الحسن عليه السلام للناس وللبشر جميعاً أن المقصود هو قتل الفكر الجديد الذي جاء به القرآن والنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وليس شخص الإمام الحسن عليه السلام. ولذا، خاطبهم قائلاً:
«ويلكم والله إن معاوية لا يفي لأحد منكم بما ضمنه في قتلي، وإني أظن أني إن وضعت يدي في يده فأسالمه لم يتركني أدين بدين جدي».
إذن: الأمر متعلق بدين النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم الذي يدين به الإمام الحسن عليه السلام، فهذا هو السبب الرئيسي الذي يدفع معاوية لقتل الإمام الحسن عليه السلام وليس عين السلطة والحكم، فهو قادر على التمرد والبقاء في إمارة الشام وقد جمع من حوله أهلها خلال فترة ولايته عليهم منذ أن ولاه عمر بن الخطاب وأثبته عثمان بن عفان، وهو خلال هذه السنين كان حريصاً على تغيير أفكار الناس من خلال معطيات ثقافية جديدة استطاع من خلالها تسيير الناس وضبطهم من حوله فصاروا لا يعرفون فضلاً في الإسلام لأحد إلا له ولآل أمية، حتى بدا هذا الفكر وإلى اليوم وكأنّه هو الوجه الغالب على الإسلام ومنهجه وصورته في العالم.
فالكل ناقم على التطرف والإرهاب والشذوذ والتسافل عن الفطرة والقيم الإنسانية التي تسالمت عليها الطبيعة البشرية.
ولذلك: فالبعد الأول الذي يهدد البشر هو انعدام الأمن الفكري الذي بيّنه الإمام الحسن عليه السلام ممثلاً في دين جده المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم الذي منع معاوية الناس من أن يدينوا لله به.
باء: انعدام الأمن الغذائي وهو البعد الثاني الذي كان يهدد الأجيال والبشر
ينتقل الإمام الحسن عليه السلام بعد بيانه إلى التهديد الأول الذي يواجه أمن البشر، وهو الأمن الفكري إلى تهديد جديد وهو الأمن الغذائي.
وهذا الخطر سارٍ في الأجيال اللاحقة مما يعني اتساع رقعة الخطر والتهديد الأمني للبشر، لاسيما وإن الإمام يتحدث مع أهل الكوفة ويكشف عن المساحة الجغرافية التي يشملها انعدام الأمن الغذائي.
ولذا: يحذرهم عليه السلام من هذا الخطر والتهديد للأمن الغذائي الذي سيصيب الأجيال اللاحقة، فيقول عليه السلام:
«وإني أقدر أن أعبد الله عزّ وجل وحدي، ولكني كأني أنظر إلى أبنائكم واقفين على أبواب أبنائهم يستسقونهم ويستطعمونهم بما جعله الله لهم فلا يسقون ولا يطعمون»[4].

 الهوامش:
([1]) استلام، على وزن استفال، أي: طلب لبس لامته، وهي درع يتقي به الإنسان الطعن والضرب.
([2]) سورة الشعراء، الآية: 227.
([3]) علل الشرائع للشيخ الصدوق: ج1، ص221.
([4]) لمزيد من الاطلاع ينظر: الأمن الإنساني في خلافة الإمام الحسن عليه السلام: ط: العتبة الحسينية المقدسة مؤسسة علوم نهج البلاغة. ص 115-118.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1804 Seconds