من الفكر الإداري عند الإمام علي (عليه السلام): مراقبة الولاة ومحاسبتهم

مقالات وبحوث

من الفكر الإداري عند الإمام علي (عليه السلام): مراقبة الولاة ومحاسبتهم

3K مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 21-04-2021

بقلم: م. م. هدى ياسر سعدون

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وآله الطيبين الطاهرين.
يؤكد الإمام عليه السلام على أهمية الرقابة والمحاسبة والعزل التي تعمل على حماية الرعية وضمان ممتلكاتهم.
إذ أشار الإمام عليه السلام الى من يستخلفهم الوالي في عمله والذي يجب عليه أن ينظر في سيرتهم:
«أما بعد، فاستخلف على عملك واخرج في طائفة من أصحابك حتى تمر بأرض السواد كورة كورة فتسألهم عن عمالهم وتنظر في سيرتهم»[1].
ولم يقف عند ذلك الإمام عليه السلام بل إنه يؤكد ذلك مرارًا في قوله:
«ثُمَّ تَفَقَّدْ أَعْمَالَهُمْ، وَابْعَثِ الْعُيُونَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالوَفَاءِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ تَعَاهُدَكَ فِي السِّرِّ لاِمُورِهِمْ حَدْوَةٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِعْمَالِ الاْمَانَةِ،وَالرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ»[2].
أما ما يخص معاملة العامل للرعية فقد أكد الإمام عليه السلام على أن يكون مداول بين القسوة واللين وأن يرفق بهم:
«أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ دَهَاقِينَ أهْلِ بَلَدِكَ شَكَوْا مِنْكَ غِلْظَةً وَقَسْوَةً، وَاحْتِقَاراً وَجَفْوَةً، وَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَهُمْ أَهْلاً لاََنْ يُدْنَوْا لِشِرْكِهِمْ، وَلاَ أَنْ يُقْصَواْ وَيُجْفَوْا لِعَهْدِهِمْ، فَالْبَسْ لَهُمْ جِلْبَاباً مِنَ اللِّينِ تَشُوبُهُ بِطَرَف مِنَ الشِّدَّةِ، وَدَاوِلْ لَهُمْ بَيْنَ الْقَسْوَةِ وَالرَّأْفَةِ، وَامْزُجْ لَهُمْ بَيْنَ التَّقْرِيبِ وَالاِْدْنَاءِ، وَالاِْبْعَادِ وَالاِْقْصَاءِ، إِنْ شَاءَ اللهُ»[3].
ويمضي في كتاب آخر الى هذا المعنى:
«أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّكَ مِمَّنْ أَسْتَظْهِرُ بِهِ عَلَى إِقَامَةِ الدِّينِ، وَأَقْمَعُ بِهِ نَحْوَةَ الاَْثِيمِ، وَأَسُدُّ بِهِ لَهَاةَ الثَّغْرِ الْـمَخُوفِ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ عَلَى مَا أَهَمَّكَ، وَاخْلِطِ الشِّدَّةَ بِضِغْث مِنَ اللِّينِ، وَارْفُقْ مَا كَانَ الرِّفْقُ أَرْفَقَ، وَاعْتَزِمْ بِالشِّدَّةِ حِينَ لاَ تُغْنِي عَنْكَ إِلاَّ الشِّدَّةُ، وَاخْفِضْ لِلرَّعِيَّةِ جَنَاحَكَ، وَابْسِطْ لَهُمْ وَجْهَكَ وَأَلِنْ لَهُمْ جَانِبَكَ، وَآسِ بَيْنَهُمْ فِي اللَّحْظَةِ وَالنَّظْرَةِ، وَالاِْشَارَةِ وَالتَّحِيَّةِ، حَتَّى لاَ يَطْمَعَ الْعُظَمَاءُ فِي حَيْفِكَ، وَلاَ يَيْأَسَ الضُّعَفَاءُ مِنْ عَدْلِكَ، وَالسَّلاَمُ»[4].
وكما يبدو واضحًا من كلامه الى رفق العامل بالرعية وأن يستعين بالله في أموره وأن يستعمل الشدة عندما يكون مضطرًا لذلك، وأن يتواضع لهم وعليه بالمساواة بينهم، ذلك لكي لا يطمع القوي ولا ييأس الضعيف. ويتعدى ذلك حيث إنه عليه السلام، يقسم قسمًا صريحًا على مراقبة العمال وغيرهم فمن تناط إليهم مسؤولية المؤسسات الإدارية في الدولة:
«فَوَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ لأُفتشن عَنْ ذَلْكَ تَفْتِيشًا شَافِيًا»[5].
على حين ينبه الإمام عليه السلام الوالي إلى أن تكون رقابته للعمال كافة بغض النظر عن انتمائهم حيث أرسل كتابًا الى ابن عمه عبد الله بن العباس يقول له:
«فَارْبَعْ[6] أَبَا الْعَبَّاسِ، رَحِمَكَ اللهُ، فِيَما جَرَى عَلَى يَدِكَ وَلِسَانِكَ مِنْ خَيْر وَشَرّ! فَإِنَّا شَرِيكَانِ فِي ذلِكَ،كُنْ عِنْدَ صَالِحِ ظَنِّي بِكَ، وَلاَ يَفِيلَنَّ رَأَيِي فِيكَ، وَالسَّلاَمُ»[7].
إذ جاء في كتاب له الى أحد ولاته ومنه تتضح مراقبته ومحاسبته العامل المقصر:
«وَإِنِّي أُقْسِمُ بِاللهِ قَسَماً صَادِقاً، لَئِنْ بَلَغَني أَنَّكَ خُنْتَ مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئاً صَغِيراً أَوْ كَبِيراً، لاََشُدَّنَّ عَلَيْكَ شَدَّةً تَدَعُكَ قَلِيلَ الْوَفْرِ[8] ثَقِيلَ الظَّهْرِ، ضَئِيلَ الاَْمْرِ، وَالسَّلاَمُ»[9] [10].
لقد أقسم الإمام عليه السلام على أن لو ظلم أحد أولاده لأخذ حق المظلوم منه:
«وَوَاللهِ لَوْ أَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ فعَلاَ مِثْلَ الَّذِي فَعَلْتَ، مَا كَانَتْ لَهُمَا عِنْدِي هَوَادَةٌ، وَلاَ ظَفِرَا مِنِّي بَإِرَادَة، حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ مِنْهُمَا، وَأُزِيحَ الْبَاطِلَ عَنْ مَظْلَمَتِهِمَا...»[11].([12]).

الهوامش:
[1] أبو يوسف، يعقوب بن ابراهيم (182هـ/790م): الخراج، تح: أ. محمود الباجي، دار بو سلامة، (تونس-1984). ص78.
[2] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، رسالة (53)، 17/56.
[3] المصدر نفسه، كتاب (19)، 16/87.
[4] المصدر نفسه، كتاب (46)، 17/449.
[5] اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، 2/129.
[6] أربع: بالضم فهو مربوع وهي أن تأخذ يومًا وتدع يومين ثم تجيء في اليوم الرابع، الفيروز آبادي، القاموس المحيط، مادة (ربع)، 3/24.
[7] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، كتاب (18)، 15/309.
[8] الوفر: المال التام، يقال وفرت كذا تمتع وكملته، الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، مادة (وفر)، ص543.
[9] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، كتاب (20)، 16/125.
[10] يقول طه حسين: «واقل ما يدل عليه هذا الكتاب هو ان علياً [عليه السلام] لم يكن من السذاجة بحيث = =يظن بعض خصمه، ولم يكن سهل التغفل كما يظن به، وانما كان من بعد الغور ونفاذ البصيرة والوصول الى اعماق النفوس بحيث كان غيره من مهرة العرب ودهاتهم. ولكنه كان يؤثر الصراحة والصدق ومواجهة الحقائق على نحو مستقيم من التفكير نصحاً لدينه واستمساكًا باخلاق الرجل الكريم، يُنظر: الفتنة الكبرى (علي وبنوه)، دار المعارف، ط6، (مصر-1966)، 2/149.
[11] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، كتاب (41)، 16/346؛ البصائر والذخائر، 2/189.
([12]) لمزيد من الاطلاع ينظر: الفكر الإداري عند الامام علي عليه السلام في نهج البلاغة، هدى ياسر سعدون، طبعة مؤسسة علوم نهج البلاغة، العتبة الحسينية المقدسة: ص 221-224.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.2939 Seconds