من خصائص نهج البلاغة: 1- الخاصية العلمية

أثر نهج البلاغة في اللغة والادب

من خصائص نهج البلاغة: 1- الخاصية العلمية

2K مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 20-04-2021

بقلم: د. علي الفتال

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وآله الطيبين الطاهرين.
أما بعد:
من خلال قراءتي ((نهج البلاغة)) بتأملٍ وتأنٍ ورويَّة، وجدت في محتواه خصائص هي بمجموعها تشكل قوانين الحياة بمفاصلها الحيوية، وأنا بتحديدي تلك الخصائص لا يعني ذلك أنني توفرت على خصائص ((النهج)) كلها بل هي بعض ما تراءى لي بعد قراءتي المتأنية تلك. لذلك أطلقتُ عليها ((من خصائص))، والتبعيض هذا الذي دلّت عليه الأداة (مِن) يعني أن ثمة خصائص أخرى يضمها كلام علي عليه السلام فاكتفيت بالذي وجدت.
وإليك قارئي العزيز هذه الخصائص
1- الخاصية العلمية.
لا غرابة إذا ما اختص كلام الإمام علي عليه السلام بالعلم لأنه باب مدينة العلم، والأذن الواعية، لذلك نراه قد سبر أغوار العلم، مثلما سبر أغوار المعارف الإنسانية الأخرى، وهو الذي يقول:
((... بل اندمجتُ (أي: انطويتُ) على مكنون علم لوبُحتُ به لاضطربتم اضطراب الأرشية (الحبال) من الطويِّ البعيدة (أي: البئر العميق).
ويخبرهم بما سيلقون في المستقبل ما لا يعرفون، فيقول عليه السلام:
((… والذي بعثه بالحق لتُبليُنَّ (من البلية) ببلبلةٍ ولتُغربلُنَّ غربلةً ولتُساطنَّ سوط القدر (أي: خلط ما في القدر فينقلب أعلاها أسفلها وأسفلها أعلاها عند الغلي)، حتى يعود أسفلكم أعلاكم، وأعلاكم أسفلكم، وليسبقنَّ سابقون كانوا قصروا، وليُقصّرنَّ سابقون كانوا سبقوا. والله ما كتمت وشمة (كلمة) وكذبت كذبة، ولقد نُبِئتُ بهذا المقام وهذا اليوم)).
وذم - عليه السلام - اختلاف العلماء في الفتيا بقوله:
((ترد على أحدكم القضية في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه، ثم ترد تلك القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله، ثم يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي استقضاهم (أي الذي ولاَّهم القضاء) فيُصوِّب آراءهم - وإلههم واحد! ونبيهم واحد! وكتابهم واحد! فأمرهم الله - سبحانه - بالاختلاف فأطاعوه! أم نهاهم عنه فعصوه؟)).
وتناول أدعياء العلم من الجهلة بقوله عليه السلام:
((وآخر تسمى عالماً وليس به، فاقتبس جهائل من جُهّال، وأضاليل من ضلاّل، ونصب للناس أشراكاً من حبائل غرور، وقول زور، قد حمل الكتاب على آرائه، وعطف الحق على أهوائه، يؤمّن الناس من العظائم، ويهوِّن كبير الجرائم، يقول: أقف عند الشبهات، وفيها وَقَع؛ ويقول: أعتزل البدع، بينها اضطجع، فالصورة إنسان والقلب قلب حيوان، لا يعرف باب الهدى فيتبعه، ولا باب العمى فيصد عنه، وذلك ميت الأحياء)).
ويعكس الصورة عليه السلام فيتحدث عن أولئك الذين اتخذوا من العلم قوتهم اليومي حتى رسخوا فيه، فيقول عليه السلام:
((وأعلم أن الراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن اقتحام السُّدَد (الرُتاج) المضروبة دون الغيوب، الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب. فمدح الله تعالى اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علماً وسمّى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه رسوخا)).
وعرَّف العالم تعريفاً بسيطاً وموجزاً فقال عليه السلام:
((العالم من عرف قدره..)).
ودعا إلى امتياح العلم والتسلح به فقال عليه السلام:
((.. فبادروا العلم من غير تصويح (تجفيف) نبته، ومن قبل أن تشغلوا بأنفسكم عن مستثار (ظهور) العلم من عند أهله)).
وتحدث عن العالِم الذي يخالف علمه في انعكاساته السلوكية في تطبيقاته العملية، فقال عليه السلام:
((… وان العالم العامل بغير علمه كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق من جهله، بل الحجة عليه أعظم، والحسرة له ألزم، وهو عند الله ألوَم (أشدّ لوماً).
وأخبر أصحابه - عليه السلام- بمقدار علمه فقال:
((ولو تعلمون ما أعلم مما طوي عنكم غيبه، إذن لخرجتم إلى الصُعُدات (الطرق) تبكون على أعمالكم وتلتدمون (تضربون وجوهكم كالنساء) على أنفسكم ولتركتم أموالكم لا حارس لها ولا خالف عليها)).
وبيّن - عليه السلام- أهمية العلم في حياة الإنسان لدفع حضارته إلى أمام فقال:
((.. لا تُفتح الخيرات إلا بمفاتيحه، ولا تُكشَف الظلمات إلا بمصابيحه، قد أحمى حماه، وأرعى مرعاه، فيه شفاء المستشفي، وكفاية المكتفي)).
وأوضح - عليه السلام - إن العلم يهدي إلى الطريق الأقوم فقال:
((العامل بغير علم كالسائر على غير طريق، والعامل بالعلم كالسائر على الطريق الواضح)).
وكان - عليه السلام- يدعو الناس أن يسألوه عن طرق السماء فإنه أعلم بها من طرق الأرض بقوله:
((سلوني قبل أن تفقدوني، فلأنا بطرق السماء أعلم مني بطرق الأرض)).
وعلامة المتقي عنده - عليه السلام- أن له:
((حرصاً في علم، وعلماً في حلم.. يُخرج الحلم بالعلم، والقول بالعمل)).
وعن الذين أودعوا العلم ليحفظوه، قال عليه السلام:
((واعلموا إن عباد الله المستحفظين علمه، يصونون مصونه، ويفجرون عيونه)).
وأوصى ابنه الحسن بقوله:
((ولا تقل ما لا تعلمه وإن قلَّ ما تعلم)).
وقال - عليه السلام-:
((رُبّ عالِم قد قتله جهله، وعِلمه معه لا ينفعه)).
وعن صفة خلق آدم - عليه السلام- تحدث - عليه السلام- بلغة علمية فقال:
((ثم جمع - سبحانه - من حَزَن الأرض وسهلها، وعذبها وسبخها، تربة سنّها بالماء حتى خلصت، ولاطها بالبلة حتى ألزبت فجبل منها صورة ذات أحناء ووصول وأعضاء وفصول، أجمدها حتى استمسكت، وأصلدها حتى صلصلت، لوقتٍ معدود، وأمدٍ معلوم، ثم نفخ فيها من روحه فمثلت إنساناً ذا أذهانٍ يجيلها، وفِكرٍ يتصرف بها، وجوارح يختدمها، وأدوات يقلبها، ومعرفة يفرّق بها بين الحق والباطل، والأذواق والمشام والأوان والأجناس، معجوناً بطينة الألوان المختلفة، والأشباه المؤتلفة، والأضداد المتعادية والأخلاط المتباينة، من الحر والبرد، والبلة والجمود، واستأدى الله سبحانه الملائكة وديعته لديهم وعهد وصيته إليهم، في الإذعان بالسجود له والخشوع لتكرمته)).
ووصف عليه السلام إنشاء الأرض بدقة علمية فقال:
((وأنشأ الأرض فأمسكها من غير اشتغال وأرساها على غير قرار، وأقامها بغير قوائم، ورفعها بغير دعائم، وحصّنها من الأوَد، والاعوجاج ومنعها من التهافت والانفراج، وأرسى أوتادها، وضرب أسدادها، واستغاض عيونها وحذّ أوديتها؛ فلم يهن ما بناه، ولا ضعف ما قوّاه، هو الظاهر عليها بسلطانه وعظمته، وهو الباطن لها بعلمه ومعرفته..)). ([1]).

الهوامش:
[1] لمزيد من الاطلاع ينظر: أضواء على نهج البلاغة بشرح ابن أبي الحديد في استشهاداته الشعرية، د علي الفتال، ط: مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة: ص248 - 252.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1694 Seconds