بقلم: د. سحر ناجي المشهدي
الحمد لله الأول قبل الإنشاء، والآخر بعد فناء الأشياء، أحمده استتمامًا لنعمته، واستعصاماً من معصيته، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على من اصطفى من الخلق أجمعين سيدنا ونبينا محمد وآل الطاهرين..
اما بعد:
ورد في كلام الإمام (عليه السلام) أربع مرات، ليدل على:
المعنى الحقيقي: فورد الاسم (علف) متصلاً بضمير الغائبة في قوله: «أَأَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلاَ أُشَارِكُهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ، أَوْ أَكُونَ أُسْوَةً لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ الْعَيْشِ! فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ، كَالْبَهِيمَةِ الْمَرْبُوطَةِ هَمُّهَا عَلَفُهَا، أَوِ الْمُرْسَلَةِ شُغُلُهَا تَقَمُّمُهَا، تَكْتَرِشُ مِنْ أَعْلاَفِهَا» ([1])، فـ(تكترش من أعلافها) تملأ كرشها من العلف، والكرش للشاة بمنزلة المعدة، وهمها علفها: جملة حالية عن (البهيمة) ([2]).
وجاء اسم المفعول مؤنثا معَّرفا بـ(ال) على زنة (مفعولة) ورد مرة واحدة في قوله (عليه السلام): «أَيُّهَا الغَافِلُونَ غَيْرُ الْمَغْفُولِ عَنْهُمْ، وَالتَّارِكُونَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ، مَالي أَرَاكُمْ عَنِ اللهِ ذَاهِبِينَ، وَإِلَى غَيْرِهِ رَاغِبِينَ! كَأَنَّكُمْ نَعَم أَرَاحَ بِهَا سَائِمٌ إلَى مَرْعىً وبي وَمَشْرَب دَوِيّ وَإنَّمَا هِيَ كَالْمَعْلُوفَةِ لِلْمُدَى الاَ تَعْرِفُ مَاذَا يُرَادُ بِهَا! إذَا أُحْسِنَ إلَيْهَا تَحْسَبُ يَوْمَهَا دَهْرَهَا، وَشِبَعَهَا أَمْرَهَا»([3]).
بدأ الكلام بالنداء للبعيد (ايها) ثم شبههَّم بالأنعام والأداة (كأنً) واستفهم بـ(ما)؛ لكنه استعمل زنة (فعل) الدَّال على الكثرة، فهم نعم سائمة: متروكة بغير راعِ، ووصف هذا المرعى بـ(وبي، ومشربهم بـ(دوي)، ووجه الشبَّه بين الغافلين والنِعم (الغفلة، والنفس الأمَّارة بالسُّوء) كالرَّاعي القائد الى لذَّات الدُّنيا، وهي الآثام، والتشبيه الآخر بمعلوفة النِّعم، ووجه الشبه (عنايتهم بلذَّات الدُّنيا من المطاعم والمشارب كالنِّعم المُعتنى بعلفها.
وعَلفْتْ الدَّابةُ أعْلِفُها عَلفا، اي اطعمتها العلَف، والمِعْلَف: موضع العلف([4]).
«فالعين واللام والفاء ليس بأصل كثير. ويقال للغنم التي تُعْلَفُ: عَلُوفة، والعٌلًف: ثمر الطًلح»([5]).
العَلَفُ للدًوابٍ، والجمع عِلافٌ، مثل جَبَل وجِبَال. وفي الحديث: «وتأكلوا عِلافهَا» هو جمع عَلَفٍ، وهو ما تأكله الماشية، وسقيتها ماءً، والمِعْـلَف: موضع العلف، والدَّابة تعتلف: تأكل وجمعها عُلفٌ وعَلائِفُ([6]))([7]).
الهوامش:
([1]) نهج البلاغة: ك 45، 313.
([2]) ظ: منهاج البراعة: 20 / 107.
([3]) نهج البلاغة: خ 175، 181.
([4]) ظ: العين (مادة علف): 2 / 144.
([5]) مقاييس اللغة: 4 / 125.
([6]) ظ: لسان العرب: (مادة علف): 4 / 3070.
([7]) لمزيد من الاطلاع ينظر: المعجم الاقتصادي في نهج البلاغة، للدكتورة سحر ناجي المشهدي، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص 310-312.