حالة المجتمع الكوفي في فكر الإمام علي (عليه السلام) ثانياً- موقفه عليه السلام من الموالي وأهل السواد

مقالات وبحوث

حالة المجتمع الكوفي في فكر الإمام علي (عليه السلام) ثانياً- موقفه عليه السلام من الموالي وأهل السواد

431 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 20-03-2024

بقلم: د. جليل منصور العريَّض

الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم والثناء بما قدم والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطاهرين.

أما بعد:

حين استقر العرب بالعراق بعد فتح فارس كونوا لهم مجتمعاً خاصاً بهم ولم يكونوا ليسمحوا لغيرهم ممن دخل الإسلام من الامم الاخر بمحاربتهم، فوضعوا الحواجز الاجتماعية بينهم وبين الموالي، على اعتبار أنهم دونهم في المكانة فلم يسمحوا بالاختلاط بهم وتجنبوا مجالستهم، واعتبروا الصلاة وراءهم تواضعاً وتقرباً إلى الله[1]، وحالوا دون التزاوج معهم، خاصة بالنسبة للرجال منهم، حيث حالوا بينهم وبين الزواج من العربيات، من ذلك أن سلمان الفارسي[2]، وهو من كبار الصحابة المقربين إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، خطب ابنة عمر بن الخطاب «فوعده بها، فشق ذلك على عبد الله بن عمر، فلقي عمرو بن العاص، فشكا إليه ذلك، فقال له: سأكفيكه، فلقي سلمان، فقال له: هنيئا لك يا أبا عبد الله، هذا أمير المؤمنين يتواضع لله عز وجل في تزويجك ابنته، فغضب سلمان وقال: لا والله لا تزوجت إليه ابدا»[3] وكان عبد الله بن عمر يستنكف من ان يناسب سلمان لكونه فارسياً، وفي ذلك دلالة على تجنب العربي من تزويج ابنته لغير العربي مهما بلغت منزلته وسمت مكانته، وقد بلغ التعصب بالعرب إزاء الموالي إلى القول «لا يقطع الصلاة الا ثلاثة: حمار، أو كلب، أو مولى»[4]كما أثر عن معاوية، أنه لما وجد كثرة الموالي، خطرت له فكرة ابادة قسم منهم، وترك قسم اخر لإقامة السوق وعمارة الطريق»[5] وقد ثناه الاحنف بن قيس[6]عن فكرته تلك. لذلك فلا عجب أن تلتف أولئك الحمراء[7] حول الإمام علي عليه السلام، والقعود إليه والاستماع لوعظه، فقد وجدوا في شخصه المنقذ والمنفذ الحقيقي لمبادئ الإسلام على أصولها، خاصة بكسره طوق العادات الجاهلية بتزويج ابنه الحسين ـ سبط رسول الله صلى الله عليه وآله ـ من احدى بنات كسرى[8] اللواتي سبين في عهد عثمان بن عفان، وقد عرضنا فيما سبق لرد علي عليه السلام  الغاضب على مقولة الاشعث بن قيس «غلبتنا عليك هذه الحمراء»[9]فقد كان علي عليه السلام  يجالسهم ويتحادث معهم ويستقرئهم أحوال ملوكهم السابقين وسياستهم[10] بما يشعرهم بقيمتهم الإنسانية مثلهم مثل أي مسلم آخر، فاحبوه، واخلصوا له وانعكس ذلك الحب فيما بعد على احفاده الذين بلغوا مكانة سامقة في نفوس أهالي فارس[11].

فإذا كان الموالي وهم من المسلمين، قد لقوا من العرب الهوان والذل، فما بالك بأهل السواد من غير المسلمين، ولا خالني اجانب الصواب، إذا قلت إن العرب قد عدوا أولئك من رقيق الأرض مثلهم مثل أي متاع يباع ويشتري، ويعمل به سادته ما يشاؤون، مما جعل نفوس أولئك تمتلئ بالحقد والضغينة، والألم لأنهم خرجوا من ربقة الذل في ظل الحكم الفارسي إلى الرق والامتهان والتعذيب في ظل النظام الإسلامي الداعي إلى المساواة خاصة انهم قد وجدوا ان دخولهم الإسلام لم يغير من اوضاعهم الاجتماعية كطبقة منبوذة من عبيد الأرض، لا حول لها ولا قوة، واجبها الوحيد خدمة السادة الجدد، وتوفير الراحة لهم. ولو ان التاريخ الإسلامي قد اغفل وصف تبرمهم وثوراتهم ـ لكونه تاريخ حكام لا تاريخ شعوب ـ إلا أن ذلك التبرم والضيق يمكن تصوره من خلال مواقفهم المعادية للتسلط العربي منذ البداية، خاصة تجاه بني أمية الذين حاولوا بينهم وبين الدخول في الإسلام طمعاً في الجزية التي يؤدونها، والتي ستسقط لا محالة عنهم بإسلامهم[12]، لذلك اعتمد المختار[13] عليهم اعتماداً اساسيا وانتصر بهم في عدة مواجهات[14]ضد عبد الملك بن مروان، الا ان المختار بتقريب أولئك منه ألب على نفسه الارستقراطية العربية التي تضررت مصالحها، بفعله، فتسببت في نهاية الأمر إلى سقوطه[15].

فحين دخل علي عليه السلام  الكوفة كان على دراية تامة بما آلت إليه حال أهالي السواد من بؤس وشقاء وتبرم ينذر بثورة، لذلك كان من الأولويات الهامة التي باشرها أن «حشر أهل السواد، فلما اجتمعوا اذن لهم، فلما رأى كثرتهم»[16] وعدم استطاعته من الاستماع إلى شكاواهم وتظلماتهم طلب منهم ان يسندوا أمرهم إلى أرضاهم في نفوسهم، كل ذلك من أجل وضع الحلول المناسبة لمشاكلهم بما يرضي الله، ويتماشى مع عدالة الإسلام، وبالفعل فقد باشر ذلك بصفة مستمرة طيلة عهده، فمما يؤثر في ذلك أنه كتب إلى كعب بن مالك[17] وهو احد عماله «أما بعد فاستخلف على عملك وأخرج في طائفة من اصحابك حتى تمر بأرض السواد كورة كورة فتسالهم عن عمالهم، وتنظر في سيرتهم حتى تمر بمن كان فيما بين دخلة والفرات»[18].

كما ان احتكاكه المباشر بهم مكنه من التعرف على اساليبهم الملتوية في التهرب من اداء ما عليهم من الخراج والجزية، مما جعله يستعمل معهم سياسة العطف والرحمة الممزوجة بالحزم حتى لا يفلت زمامهم من يده، فهو في الوقت الذي يأمر فيه عماله بالحزم والشدة على أولئك الفلاحين والصناع الا انه لا يرضى ان يؤخذ منهم سوى ما يمكنهم دفعه قدر استطاعتهم[19]، وتلك هي عين العدالة الاجتماعية في الإسلام.

فالحزم مطلوب ـ في فكر علي عليه السلام الاجتماعي ـ ولكن الرأفة والرحمة مطلوبتان أيضاً فكفر أولئك لا ينقص من حقوقهم الإنسانية، شكا إليه بعض أهل السواد من رؤساء الفلاحين غلظة احد ولاته فكتب إليه «أما بعد فإن دهاقين أهل بلدك شكوا منك غلظة وقسوة واحتقاراً وجفوة، ونظرت فلم أرهم لأن يدنوا لشركهم ولا أن يقصوا ويجفوا لعهدهم، فالبس لهم جلباباً من اللين تشوبه بطرف من الشدة، وداوك لهم بين القسوة والرأفة...»[20].
فمن الملاحظ في فحوى الرسالة ان علياً عليه السلام  قد جعل اللين جلباباً للوالي وجعل الشدة طرفاً من ذلك الجلباب، وتلك اعلى مراتب التربية الاجتماعية، لكون الارخاء واللين إذا لم يحاط بالحزم في أي أمر يتعلق بالنظام، فإنه لا محالة يؤديان إلى الفوضى والانفلات، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي، مع الوضع في الاعتبار اشارة علي عليه السلام  إلى كون أولئك كفاراً لا يعني على الاطلاق سلبهم حقوقهم الاجتماعية في العيش كمواطنين، مثلهم مثل أي إنسان لأن الناس من وجهة نظر علي «صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق»[21]ويجب التعامل معهم على ذلك الأساس، وقد نبع موقف علي عليه السلام  من أهل السواد على أنهم من الصنف الثاني، الذي يجب أن ترعى حقوقه من أجل الرابطة الإنسانية، ومن أجل احترام ارادة الله سبحانه وتعالى في خلقه.)([22]).

الهوامش:
[1] راجع العقد الفريد 3/ 413.
[2] سلمان الفارسي: أبو عبد الله ويعرف بسلمان الخير، اصله من فارس وكان مجوسيا، رحل إلى الشام وتحول إلى النصرانية هنالك، اسلم على يد رسول الله صلى الله عليه وآله بالمدينة، أول مشاهده مع الرسول صلى الله عليه وآله الخندق، ولم يتخلف عن مشهد بعد الخندق، كان من خيار الصحابة وزهادهم وفضلائهم، وذوي القرب من رسول الله  صلى الله عليه وآله توفي سنة خمس وثلاثين في اخر خلافة عثمان ـ ابن الأثير  أسد الغابة 2/417 وما بعدها.
[3] ابن عبد ربه ـ العقد الفريد 6/90 وجاء عند أبي نعيم الحافظ (ت 430) في كتابه حلية الأولياء 1/186 ـ ان الذي رفض الزيجة عمر بن الخطاب وليس ابنه عبد الله.
[4] العقد الفريد 3/413.
[5] المصدر السابق نفسه.
[6] الأحنف بن قيس: والاحنف لقب له، لحنف (اعوجاج) كان برجله ادرك النبي صلى الله عليه وآله ولم يره، كان أحد الحكماء الدهاة العقلاء، وكان فيمن اعتزل الحرب بين علي عليه السلام وعائشة، وشهد صفين مع علي عليه السلام، وبقي إلى امارة مصعب بن الزبير على العراق وتوفي سنة سبع وستين ـ أسد الغابة1/68.
[7] الحمراء ـ لقب كان يطلق على الموالي من الفرس ـ راجع ص 301 من هذا البحث.
[8] أم علي بن الحسين هي (سلافة) من ولد يزدجرد، معروفة النسب وكانت من خيرات النساء، وكان يقال لعلي بن الحسين عليه السلام، ابن الخيرتين، لقول «رسول الله صلى الله عليه وآله»لله من عباده خيرتان، من العرب قريش ومن العجم فارس ـ المبرد ـ الكامل في الأدب 2/120، 121.
[9] راجع ص 301 من هذا البحث.
[10] راجع بن مزاحم ـ صفين ص 14.
[11] راجع ـ جليل منصور العريض ـ التفجع في شعر الشريف الرضي ص 34.
[12] راجع بشأن وصية عمر بن عبد العزيز إلى عامله على خراسان ـ تاريخ الطبري 6/559، وبشأن عسف عمال بني أمية وظلمهم للرعية راجع فحوى رسالة عمر بن عبد العزيز إلى عامله على الكوفة ـ تاريخ الطبري 6/569. بشأن أخذ الأمويين الجزية ممن اسلموا ـ راجع أحكام أهل الذمة 1/59.
[13] المختار بن أبي عبيد مسعود الثقفي، ولد عام الهجرة، وليست له صحبة، وكان قد خرج يطلب بثأر الحسين بن علي عليه السلام، واجتمع عليه كثير من الشيعة بالكوفة فغلب عليها، وطلب قتلة الحسين فقتلهم وقتل بالكوفة سنة سبع وستين، وكانت امارته على الكوفة سنة ونصف السنة ـ أسد الغابة 5/122، 123.
[14] راجع ـ الدينوري ـ الأخبار الطوال ص 293 و 299 وما بعدها.
[15] المصدر السابق.
[16] ابن مزاحم ـ صفين ـ ص 14.
[17] كعب بن مالك الأنصاري، كناه الرسول صلى الله عليه وآله أبا عبد الله، شاعر مشهور، شهد العقبة وبايع بها، وتخلف عن بدر وشهد ما بعدها، وتخلف عن تبوك، وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم، وقد أخرج أبو الفرج الأصبهاني في كتابه الأغاني سند شامي فيه ضعف وانقطاع، أن حسان بن ثابت وكعب بن مالك والنعمان بن بشير دخلوا على علي عليه السلام، فناظروه في شأن عثمان، وأنشده كعب شعرا في رثاء عثمان ثم خرجوا من عنده فتوجهوا إلى معاوية فأكرمهم ـ ابن حجر ـ الإصابة 3/ 307 والراجع بشأن كعب أنه صحب علياً عليه السلام وولاه بعض سواد العراق، كما ورد عند القاضي أبي يوسف، في كتاب الخراج 118، وتوفى كعب في حكم معاوية.
[18] القاضي أبو يوسف ـ الخراج ص 118.
[19] راجع بشأن ذلك حكاية علي عليه السلام مع الرجل الثقفي الذي استعمله على عكبرا وهي بلدة من نواحي دجيل بينها وبين بغداد عشرون فرسخاً ـ معجم البلدان 4/142 عند ابن القيم الجوزية في أحكام أهل الذمة 59.
[20] رسائل ـ 19.
[21] رسائل ـ 53 فقرة 3.
([22]) لمزيد من الاطلاع ينظر: فكر الإمام علي عليه السلام كما يبدو في نهج البلاغة: للدكتور جليل منصور العريّض، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص 385-391.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.2511 Seconds